الساعة 8:17

ياسين وقف قدام الباب فترة طويلة.

مد إيده ولمس المقبض، وبعدها رجعها.

أشار لي:

“أنا ما دخلتش هنا من يوم الحريق.”

بصيت له بحزن.

“ليه؟”

كتب على موبايله:

أبويا قفل الأوضة، وقال إن كل حاجة فيها اتحرقت. ولما طلبت أشوفها، قال لي إن مفيش حاجة تستاهل أفتكرها.

أمينة طلعت مفتاح صغير من سلسلة كانت لابساها تحت هدومها.

فتحت الباب.

الأوضة كانت محفوظة كأن الزمن وقف فيها. ستاير فاتحة، تسريحة عليها علبة عطر قديمة، ومكتبة مليانة كتب، وصورة لليلى وهي واقفة على البحر وبتضحك.

ياسين دخل خطوة، وبعدين وقف.

كان بيبص للصورة كأنه بيحاول يسترجع صوت أمه من ملامحها.

قرب من التسريحة، وأخد الصورة بإيد مرتعشة.

أشار لي:

“كانت بتحب البحر. وكانت كل يوم تصحيني بدري عشان ننزل نتمشى على الشاطئ.”

ابتسم ابتسامة حزينة.

“كانت بتكلمني بالإشارة أحيانًا، حتى قبل ما أفقد سمعي. كانت بتقول إن الكلام مش لازم يكون بالصوت عشان يوصل للقلب.”

دموعي لمعت.

كان واضح إن ليلى ما كانتش مجرد أم بالنسبة له. كانت الشخص الوحيد اللي ما حسش معاه إنه مختلف أو ناقص.

أمينة ركعت جنب الشباك، ورفعت طرف السجادة الصغيرة، وبعدها ضغطت على لوح خشبي في الأرض.

اللوح اتحرك.

تحته كان فيه صندوق معدني صغير.

ياسين نزل على ركبته وفتحه.

جواه مفتاح قديم، وورقة مطوية، وذاكرة إلكترونية صغيرة.

أخد الورقة وفتحها.

كانت مكتوبة بخط ليلى:

“لو وصل لك المفتاح ده يا ياسين، يبقى أنا ما قدرتش أحميك من الحقيقة. ما تكرهش نفسك، وما تسمحش لحد يقنعك إنك ضعيف لمجرد إنك مش بتسمع. إنت أقوى من كل اللي حواليك، بس القوة مش إنك تنتقم. القوة إنك تعرف الحقيقة وتختار تعمل بيها إيه.”

ياسين قرا الرسالة مرتين.

وبعدين ضمها لصدره، ودموعه نزلت من غير ما يحاول يخبيها.

أنا ما قدرتش أقول أي كلمة.

قربت منه بهدوء، ووقفت جنبه من غير ما ألمسه، لحد ما رفع راسه بنفسه.

أشار:

“أنا كنت محتاج أسمع الكلام ده من زمان.”

قلت له بلغة الإشارة:

“يمكن ما سمعتهوش بصوتها، لكنك لسه قادر تقراه بإيدك وقلبك.”

بص لي، وابتسم وسط دموعه.

وبعدين أخد الذاكرة الإلكترونية.

“لازم نعرف اللي عليها.”

نزلنا بالصندوق، وكان منصور مستنينا في الصالة.

أول ما شاف الذاكرة في إيد ابنه، وشه اتغير.

“حطها على الترابيزة.”

ياسين رفض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *