الساعة 8:17
بص لياسين.
“أنا ابني مش بيتكلم مع حد. حتى الناس اللي بتفهم لغة الإشارة ما بيثقش فيها.”
ياسين حرك إيده.
منصور بص لي فورًا.
“ترجمي.”
ياسين كان بيقول:
أنا ما بطلتش أتكلم. أنا بطلت أتكلم مع الناس اللي بتسمع كلامك وتصدقك من غير ما تسألني.
حسيت إن الجملة أكبر من مجرد خلاف بين أب وابنه.
ترجمتها.
منصور ما انفعلش المرة دي. بالعكس، سكت وبص من الشباك.
بعد دقائق، العربية خرجت من الطريق الرئيسي ودخلت طريق واسع على البحر. ظهرت بوابة حديد ضخمة، ووراها فيلا كبيرة محاطة بحديقة واسعة وسور مرتفع.
المكان كان فخم بشكل يخلي الواحد يحس إنه مش داخل بيت، لكنه داخل مملكة.
بس الغريب إن النور كان قليل، والحديقة رغم اتساعها كانت هادية زيادة عن اللزوم. مفيش صوت تلفزيون، مفيش صوت موسيقى، مفيش حتى صوت ناس بتتحرك في البيت.
كأن الفيلا كلها مستنية حاجة تحصل.
البوابة اتفتحت، والعربية دخلت لحد المدخل الرخامي.
نزل منصور الأول.
بعده ياسين، وبعدها أنا.
أول ما دخلنا، ست كبيرة في أواخر الخمسينات ظهرت من ناحية الممر. كانت لابسة فستان بيت بسيط، وشعرها الأبيض متلموم ورا راسها.
أول ما شافت ياسين، وشها نور.
“يا حبيبي! اتأخرت ليه كده؟”
قربت منه وحضنته، وهو انحنى وباس راسها.
منصور بص لهم من غير ما يقول حاجة.
الست لاحظت وجودي، فسألت: “مين البنت دي يا منصور؟”
“واحدة هتساعدنا في حاجة.”
بصت لي بقلق.
“تساعدكم في إيه؟”
منصور رد باقتضاب: “في حاجة تخص ياسين.”
الست سابت إيد ابنها وبصت لياسين. بعدها بدأت تتكلم معاه بلغة الإشارة.
إنت كويس يا حبيبي؟ حصل حاجة؟
ياسين رد عليها بسرعة.
وبعدها أشار ناحيتي.
الست بصت لي فجأة، وعينيها اتملت بالدموع.
قربت مني ومسكت إيدي.
“إنتِ بتفهمي لغة الإشارة؟”
“أيوه يا طنط.”
فضلت باصة لي كأنها بتتأكد إنها سمعت صح.
“من زمان ما شفتش حد بيتكلم معاه بالطريقة دي.”
وبعدين بصت لمنصور وقالت: “يمكن ربنا باعت البنت دي عشان تكون سبب في خير.”
منصور ضحك بسخرية خفيفة.
“إحنا مش في حكاية يا أمينة. أنا عايز إجابات.”
أمينة سكتت، لكن إيديها فضلت ماسكة إيدي للحظة أطول من اللازم، وكأنها بتحاول توصل لي تحذير من غير ما حد يلاحظ.
وبعدين همست: “خلي بالك من نفسك يا بنتي.”
بعد أقل من ربع ساعة، لقيت نفسي قاعدة في أوضة واسعة في الدور الأرضي، قدامي ترابيزة عليها ملفات كتير، ومنصور قاعد في الناحية التانية، وياسين واقف جنب المكتبة.