الساعة 8:17

لكنه ما اهتمش بحد.

مشي ناحيتي، ووقف قدام الكاونتر.

رفع إيده وقال بلغة الإشارة:

“مساء الخير يا هدى.”

ابتسمت ورديت:

“مساء النور. تحب تطلب إيه النهارده؟”

أشار:

“نفس الطلب. ستيك ميديوم رير، بطاطس بيوريه، وقهوة مضبوطة.”

ضحكت.

“وأبوك؟”

ابتسامته اختفت لحظة، وبعدها رجعت بهدوء.

“أبويا مش جاي النهارده.”

وبعدين كتب على موبايله:

أنا بدأت أروح جلسات علاج نفسي، وبحاول أتعلم إزاي أعيش من غير ما أفضل مستني منه اعتراف كل يوم.

قريت الرسالة، وهزيت راسي.

“دي خطوة كويسة.”

كتب تاني:

وبدأت أشتغل في إدارة شركة مستقلة. مش هستخدم اسم العيلة عشان أفرض نفسي على حد. عايز أبني حاجة تخصني.

ابتسمت.

“أنا متأكدة إنك هتقدر.”

بص لي، وبعدها أشار:

“فيه حاجة تانية عايز أقولها لك.”

حسيت إن قلبي دق أسرع، لكن حاولت أفضل هادية.

أشار ببطء:

“أنا لما شوفتك أول مرة، كنت فاكر إنك مجرد شخص غريب هيمشي من حياتي بعد دقايق. لكن إنتِ كنتِ أول حد من سنين يبص لي ويسألني أنا عايز إيه، مش الناس عايزاني أكون إيه.”

ما عرفتش أرد فورًا.

هو كمل:

“أنا مش هطلب منك تشيلي همي، ولا تبقي مسؤولة عن اللي حصل لي. أنا بس عايز أشكرك.”

مد إيده وناولني كتابًا صغيرًا.

كان كتابًا لتعليم لغة الإشارة، وعلى الصفحة الأولى كتب:

“إلى هدى، اللي فكرتني إن الإنسان ممكن يبدأ من جديد، حتى لو الحقيقة اللي وراه وجعاه.”

حسيت بدموعي بتلمع.

قلت له بلغة الإشارة:

“أنا ما عملتش حاجة كبيرة.”

ياسين رد فورًا:

“بالنسبة لك يمكن. بالنسبة لي، كانت بداية.”

مرت شهور.

القضية استمرت، والشهود أدلوا بأقوالهم، والمستندات اتفحصت، والجهات المختصة بدأت تتعامل مع كل واقعة على حدة.

فؤاد بقى بعيد عن إدارة الشركات، وكمال الديب واجه اتهامات مرتبطة بالتلاعب في المستندات وإخفاء الأدلة، ومنصور اضطر يتخلى عن جزء كبير من صلاحياته الإدارية لحد ما الإجراءات القانونية تتضح.

أما ياسين، فبدأ يزور أمه في المقابر كل يوم جمعة.

في أول مرة طلب مني أروح معاه، ترددت.

مش لأني ما كنتش عايزة، لكن لأني حسيت إن اللحظة دي تخصه هو وأمه.

لكنه كتب لي:

“أنا مش عايز أروح عشان أفتكر الحزن بس. عايز أروح عشان أقول لها إني أخيرًا بدأت أعيش.”

روحت معاه.

وقف قدام قبرها، وحط باقة ياسمين بيضاء على الرخام.

بعدها رفع إيده، وبدأ يتكلم معاها بلغة الإشارة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *