الساعة 8:17
منصور ما رجعش زي الأول، وما طلبش من ولاده ينسوا اللي حصل. فضل يتحمل نتيجة اختياراته، وبدأ يصلح اللي يقدر عليه من غير ما يفرض عليهم مسامحته.
أما هدى، فاختارت تكمّل شغلها في المركز، وتساعد الأطفال الصم وأهاليهم، لأنها فهمت إن لغة الإشارة مش مجرد حركات بالإيد، لكنها وسيلة تخلي الإنسان يقول اللي جواه حتى لو العالم كله مش سامعه.
وفي مساء هادي على كورنيش إسكندرية، وقفت هدى جنب ياسين، والبحر قدامهم ممتد لآخر الأفق.
أشار لها ياسين: “فاكرة أول ليلة في المطعم؟”
ابتسمت: “لما أبوك قال لي أسألك عايز ستيك ولا علبة ألوان؟”
ضحك ياسين، وأشار: “لو كنتِ ما رديتيش عليّا الليلة دي، كان ممكن أفضل فاكر إن مفيش حد في الدنيا هيفهمني.”
مسكت إيده وقالت: “وأنا لو ما اتعلمتش لغة الإشارة عشان يوسف، يمكن ما كنتش قابلتك أصلًا.”
فضلوا واقفين يتفرجوا على الموج، وكل واحد فيهم بيفتكر أخوه وأمه والسنين اللي ضاعت وسط الأسرار.
لكن المرة دي، ما كانوش بيبصوا للماضي بخوف.
كانوا بيبصوا للمستقبل بإيدين مفتوحة، وقلوب بدأت تتعلم إن العيلة مش مجرد اسم بيتكتب في شهادة ميلاد، وإن الحقيقة مهما اتأخرت، تفضل أرحم من عمر كامل من الكذب.
وفي النهاية، هدى ما اكتشفتش بس إنها بنت ليلى وأخت ياسين، لكنها اكتشفت إن أكبر معركة في حياتها ما كانتش مع منصور زهران ولا مع أسرار الماضي، بل مع الخوف اللي كان بيحاول يقنعها إن الحقيقة هتسلب منها كل حاجة.
الحقيقة وجعتها، لكنها في المقابل رجّعت لها جزءًا من حكايتها، وفتحت لها بابًا لعيلة جديدة، من غير ما تمسح حب العيلة اللي ربتها.
وعلى باب مركز ليلى، فضلت الجملة اللي اختارها ياسين وهدى مع بعض:
“مش كل اللي ما بيسمعش محتاج صوت، ومش كل اللي ساكت معناه إنه مش عارف الحقيقة. ساعات، كل اللي الإنسان محتاجه هو حد يقف قدامه، يبص في عينيه، ويسأله: إنت عايز تقول إيه؟”