الساعة 8:17
بص لي طويلًا، وبعدها هز راسه.
لكن قبل ما نقدر نتفق على أي حاجة، باب المركز اتفتح.
دخل راجل كبير في السن، لابس بدلة سوداء، ووشه متعب، وفي إيده ظرف أبيض.
كان منصور زهران.
وقف قدام ياسين، وبص له بعينين مليانين دموع.
وبعدين قال جملة واحدة:
“أوعى تروح المحطة بكرة يا ابني.”
ياسين اتجمد.
رفع إيده بسرعة:
“إنت عارف مين اللي اتصل؟”
منصور هز راسه ببطء.
“أيوه.”
ياسين أشار:
“وعارف إن أمي كان عندها بنت؟”
منصور نزل عينيه.
“أيوه.”
ياسين قرب منه، وإيده بتترعش من الغضب.
“مين هي؟”
منصور رفع عينيه أخيرًا، وقال بصوت مبحوح:
“هي مش أختك يا ياسين.”
الصمت نزل على المركز كله.
منصور كمل:
“هي بنتي أنا.”
وبعدين مد الظرف لياسين، وأضاف:
“والحقيقة اللي جوا الظرف ده… لو عرفتها، مش هتعرف تبص في وشي تاني طول عمرك.”
ياسين أخد الظرف ببطء.
فتح أول ورقة.
كانت شهادة ميلاد قديمة.
اسم الأب: منصور زهران.
واسم الأم…
هدى محمود عبدالسلام.
فضلت باصة لشهادة الميلاد، وبعدين رفعت عيني لمنصور وأنا حاسة إن الأرض بتتهد من تحتي.
اسمي كان مكتوب قدامي بالحروف، لكن عقلي رافض يصدق اللي شايفاه.
قلت بصوت مرتعش: “إيه الهزار السخيف ده؟ إنت جاي لحد هنا عشان تقول لي إنك أبويا؟ أنا أبويا اسمه محمود عبدالسلام، وأنا عارفة أمي وعارفة عيلتي!”
منصور نزل عينيه، وقال: “أنا عارف إنك مش هتصدقيني، وعارف إنك من حقك تكرهيني. لكن الورقة دي مش مزورة.”
ياسين خطف الشهادة من إيده، وبدأ يقارن البيانات المكتوبة فيها بالورقة التانية اللي كانت في الظرف. كل ما كان بيقرأ، ملامحه كانت بتتغير.
أشار لمنصور بغضب: “إنت قلت لي إن ليلى كانت أمك الوحيدة، وإن مفيش أي طفل تاني في حياتك!”
منصور رد بصوت مكسور: “أنا غلطت في حقكم كلكم.”
بصيت له وأنا بعيط: “إنت بتقول إني بنتك، طب أمي؟ أمي اللي ربتني وعلمتني وعاشت عمرها كله عشانّا؟”
منصور طلع من الظرف صورة قديمة لست شابة شايلة طفلة رضيعة، وبجانبها ليلى.
“أمك اللي ربتك هي أمك فعلًا يا هدى. هي اللي سهرت عليكي، وهي اللي ادتك اسمها وحنانها. لكن أمك اللي ولدتك كانت ليلى.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
ليلى، الست اللي قضت شهور بتحاول تحمي ياسين، كانت أمي أنا كمان؟
منصور كمل: “قبل ولادتك، ليلى اكتشفت إن فيه ناس من عيلتي بيدبروا مكائد عشان يسيطروا على كل حاجة. كانت خايفة إن أي طفل جديد يبقى وسيلة ضغط عليّا، وإن حياتكم تتحول لصراع على المال والنفوذ. بعد ولادتك، اتفقت مع أمك بالتربية إنها تاخدك وتربيكي بعيد عن كل ده.”