الساعة 8:17

منصور قام من مكانه.

“محدش هيتحرك من هنا!”

ياسين بص له طويلًا، وبعدها أشار بإيده ببطء:

“أنا مش تحت أمرك.”

الجملة كانت قصيرة، لكنها وقعت على منصور كأنها صفعة.

ياسين كمل:

“إنت أبوي، وأنا طول عمري حاولت ألاقي لك عذر. قلت يمكن حزنك على أمي خلاك قاسي. يمكن خوفك عليّا خلاك تتحكم في كل حاجة. لكن أنا تعبت من إني أبرر لك كل حاجة.”

عيونه اتملت بالدموع.

“أنا فقدت سمعي في الحريق، لكن إنت خلتني أفقد ثقتي في نفسي كمان. كنت بتعامل معايا كأني طفل، وتتكلم عني قدام الناس كأني مش موجود. وكل ما أحاول أفتكر اللي حصل، كنت تقولي إن ذاكرتي غلط.”

رفع إيده ناحية صدره.

“أنا مش عايز منك فلوس، ولا شركات، ولا اسم زهران. أنا عايز أعرف أمي ماتت إزاي.”

منصور فضل ساكت.

وللحظة، افتكرت إنه أخيرًا هيقول الحقيقة.

لكنه فجأة بص ناحية أمينة وقال:

“طلعي المفتاح اللي عندك.”

أمينة شهقت.

ياسين بص لها باستغراب، وبعدين أشار:

“مفتاح إيه؟”

منصور كرر بحدة: “المفتاح يا أمينة!”

أمينة رجعت لورا وهي بتعيط.

“أنا مش معايا حاجة.”

منصور قرب منها.

“أنا عارف إن ليلى قبل ما تموت سلّمتك مفتاح. وعارف إنك خبّيتيه.”

ياسين لف ناحيتها، وعينيه اتسعت.

أمينة غطت وشها بإيديها.

“أنا كنت خايفة يا حبيبي. كنت خايفة عليك.”

ياسين أشار:

“إنتِ عارفة مكان المفتاح؟”

هزت راسها وهي بتعيط.

“أيوه.”

منصور قال: “هاتيه.”

لكن أمينة رفعت راسها لأول مرة وبصت له بعناد.

“لأ.”

الكل اتجمد.

حتى منصور نفسه ما عرفش يرد.

أمينة كملت: “أنا سكت أربع عشرة سنة، وفضلت أقول لنفسي إن السكوت هيحمي ياسين. لكن السكوت ما حماهوش. السكوت خلّاه يعيش عمره كله وهو شاكك في نفسه.”

مسحت دموعها.

“أنا مش هسكت تاني.”

وبعدين بصت لياسين وقالت: “المفتاح في أوضة أمك القديمة. تحت لوح الخشب اللي جنب الشباك.”

ياسين لف ناحية السلم.

لكن منصور وقف قدامه.

“مش هتطلع فوق.”

ياسين أشار بإيده:

“إنت مش هتمنعني المرة دي.”

“أنا أبوك!”

ياسين رد:

“وأنا ابنك. بس ده ما اداكش الحق تخبي عني موت أمي.”

وبعدين بص لي.

“هدى، تعالي معايا.”

طلعت وراه السلم، وأمينة لحقتنا، بينما منصور فضل واقف تحت، ووشه متغير كأن سنين طويلة من الأسرار بدأت تقع مرة واحدة.

أوضة ليلى كانت في آخر الممر، بابها الخشبي لونه بني غامق، وعلى المقبض طبقة خفيفة من التراب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *