الساعة 8:17
هزيت راسي وأنا مش قادرة أستوعب.
“طب ليه ما رجعتش ليا؟ ليه سابتني؟”
منصور سكت طويلًا، وبعدين قال: “لأنها ماتت قبل ما تقدر تصلح كل حاجة. كانت ناوية ترجعلك، وكانت مخبية رسالة ليكي.”
مد لي ظرفًا صغيرًا، مكتوب عليه اسمي بخط ليلى.
فتحته بإيدين مرتعشتين، وبدأت أقرا:
“بنتي حبيبتي هدى، لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا ما قدرتش أكون جنبك زي ما كنت أتمنى. أنا ما سبتكيش عشان مش بحبك، أنا بعدت عنك عشان كنت خايفة عليكي من عالم ما كنتش عايزاكي تعيشي فيه. كنت بتمنى أشوفك بتكبري، وأسمع ضحكتك، وأحضنك من غير خوف. سامحيني لو غيابي وجعك، واعرفي إنك كنتِ دايمًا بنتي، حتى في الأيام اللي ما كنتش قادرة أشوفك فيها.”
انهرت في العياط.
ياسين قرب مني، وحط إيده على كتفي، وعينيه كانت مليانة دموع.
أشار لي: “إنتِ أختي يا هدى.”
بصيت له، وابتسمت وسط دموعي.
“أيوه يا ياسين. وأنا مش هسيبك تواجه الحقيقة لوحدك.”
منصور قعد على الكرسي، وغطى وشه بإيديه.
“أنا مش طالب منكم تسامحوني. أنا بس عايزكم تعرفوا إن ليلى حاولت تحميكم، وإن أنا فشلت في إني أحميها.”
ياسين وقف قدامه وأشار: “الحماية مش إنك تخبي الحقيقة عن الناس اللي بتحبهم. الحماية إنك تقول لهم الحقيقة وتسيب لهم حق الاختيار.”
منصور هز راسه، وما حاولش يدافع عن نفسه.
في الأيام اللي بعدها، اتأكدت صحة الأوراق من خلال الفحوصات الرسمية، واتكشفت تفاصيل جديدة عن حياة ليلى والظروف اللي خلتها تبعد هدى عن البيت. واستمرت التحقيقات في قضية الحريق وإخفاء الأدلة، وكل شخص كان مسؤولًا عن جريمة اتحاسب على قد اللي أثبتته التحقيقات والقانون.
أما هدى، فاحتاجت وقت طويل عشان تتقبل إن حياتها فيها جزء كامل ما كانتش تعرف عنه حاجة. لكنها ما تخلتش عن أمها اللي ربتها، ولا سمحت لأي حد يقلل من مكانتها في قلبها.
قالت لياسين في يوم وهما قاعدين في مركز ليلى: “أنا عندي أمين، مش أم واحدة. واحدة جابتني للدنيا، وواحدة عاشت عمرها كله عشان تخليني أقف على رجلي.”
ياسين ابتسم، وأشار: “وأنا بقي عندي أخت كنت فاكر إني عمري ما هشوفها.”
ضحكت هدى، ولأول مرة من أيام طويلة، حسّت إن قلبها بدأ يهدى.
بعد شهور، وقفوا هما الاتنين قدام صورة ليلى في المركز، وحطوا تحتها رسالة قصيرة:
“إلى ليلى، اللي حاولت تحمي ولادها حتى وهي بعيدة عنهم. يمكن الحقيقة اتأخرت، لكن حبك وصل.”