الساعة 8:17
ما كانش فيه حد غيرنا في المكان.
إيده اتحركت ببطء، وعينيه كانت مليانة دموع.
“أنا عرفت الحقيقة يا أمي. مش كلها، لكن كفاية عشان أبطل أشك في نفسي.”
سكت لحظة، ومسح دموعه.
“أنا لسه زعلان. ولسه في أيام بصحى فيها وأنا فاكر صوت النار، رغم إني ما بسمعش. ولسه بتمنى لو كنتِ موجودة عشان أوريكي كل حاجة عملتها.”
ابتسم وسط دموعه.
“لكن أنا بحاول. بحاول أعيش زي ما كنتِ عايزاني.”
بعدها بص لي وأشار:
“إنتِ عارفة؟ أنا كنت فاكر إن لو عرفت الحقيقة، الوجع هيخلص.”
سألته:
هز راسه.
“لأ. لكنه بقى وجع مفهوم. وده فرق كبير.”
وقفنا شوية في هدوء.
وقبل ما نمشي، أخرج من جيبه ورقة صغيرة، وحطها تحت باقة الياسمين.
كانت مكتوبة بخط إيده:
“أنا مش هخلي اللي حصل لك هو اللي يحدد بقية حياتي.”
بعد سنة تقريبًا، افتتح ياسين مركزًا صغيرًا في إسكندرية لتعليم لغة الإشارة وتأهيل الأطفال الصم وأسرهم.
ما سماهوش باسم عيلته، ولا علّق صورته على المدخل.
اختار له اسمًا بسيطًا: “مركز ليلى للتواصل”.
المركز كان فيه فصول صغيرة، ومكتبة، وقاعة تدريب للأهالي، وأوضة مجهزة للأطفال اللي محتاجين جلسات تخاطب وتأهيل.
ياسين كان بيشارك بنفسه في بعض الدروس، وبيحرص إن كل طفل يدخل المكان يحس إنه مرحب بيه، وإن محدش هيضحك عليه أو يعامله كأنه أقل من غيره.
أنا كنت بروح هناك بعد شغلي، أساعد في تنظيم المواعيد، وأترجم للأهالي اللي لسه بيتعلموا لغة الإشارة.
وفي يوم الافتتاح، وقفت أمينة قدام صورة ليلى المعلقة في مدخل المركز، ودموعها بتنزل وهي بتبتسم.
قالت لي: “لو كانت ليلى شافت اللي بيحصل، كانت هتفرح أوي.”
بصيت لياسين.
كان واقف وسط مجموعة أطفال، بيشرح لهم لعبة بسيطة بلغة الإشارة، وكل ما طفل ينجح في فهم الحركة، كان يبتسم له ويشجعه.
ما كانش فيه أي شبه بينه وبين الشاب الجامد اللي قعد في مطعم بلاك هورس في الليلة دي، غير ملامحه.
الفرق إن عينيه بقت أهدى.
ولما خلص، جه وقف جنبي.
أشار:
“فاكرة أول سؤال سألتِه لي في المطعم؟”
ضحكت.
“كنت بسألك إذا كنت جعان ولا قاعد عشان أبوك محتاج جمهور.”
ضحك هو كمان، وبعدها أشار:
“وأنا كنت محتاج أكل فعلًا.”
ضحكت بصوت عالي.
وبعدين سألته:
“طيب، وإيه أكتر حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل؟”
ياسين فكر شوية، وبعدها أشار:
“إن السكوت مش دايمًا ضعف، لكن السكوت لما يبقى مفروض عليك ممكن يسرق منك عمرك. وإن الحقيقة مهما كانت موجعة، لازم تطلع للنور. والأهم إن اللي اتكسر جوانا مش لازم يفضل مكسور طول العمر.”