الساعة 8:17
ترجمت كلامه فورًا.
منصور ابتسم ابتسامة جانبية.
“ما تقلقش يا حبيبي. أنا مش هاكل البنت.”
وبعدين بص لي نظرة طويلة وأضاف: “على الأقل مش قبل ما أعرف هي عرفت إيه.”
ما كنتش أعرف إن خروجي من مطعم بلاك هورس في الليلة دي هيكون آخر مرة أشوف فيها حياتي بالطريقة اللي كنت عايشاها.
خرجنا من الباب الرئيسي، والمطر كان بيضرب الرصيف بقوة. الهوا البحري كان ساقع، والشارع بيلمع من انعكاس أنوار العربيات.
كان فيه عربية سودا طويلة واقفة قدام المدخل، ووراها عربيتين تانيين. واحد من الحراس فتح الباب الخلفي، ومنصور ركب الأول.
ياسين وقف لحظة جنبي.
رفع إيده وسألني:
إنتِ خايفة؟
بصيت له بصراحة.
أيوه.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وبعدها أشار:
حقك. أنا كمان لو كنت مكانك، كنت هخاف.
كتبت له بسرعة على الموبايل:
إنت ليه قلت إنك مخبي سر عن أبوك؟
قرأ الرسالة، وسكت لحظات.
بعدها كتب على موبايله ووراني الشاشة:
مش هنا. فيه ناس بتراقب كل حاجة بعملها.
رفعت عيني ليه.
كل حاجة؟
هز راسه.
حتى موبايلك؟
بص للموبايل اللي في إيدي، وبعدين أشار لي بإيده:
خصوصًا الموبايلات.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كنت عايزة أرجع المطعم، أخلع المريلة، وأروح بيتي وأقفل الباب عليّا. كنت عايزة أفتكر إن بكرة عندي شيفت الصبح، وإن إيجار الشقة لسه ناقصه فلوس، وإن عندي غسيل متراكم فوق الغسالة.
كنت عايزة أرجع لحياة بسيطة، حتى لو كانت متعبة.
لكن ياسين بص لي نظرة خلتني أتردد.
كانت نظرة واحد مش بيطلب مساعدة بسهولة، ولما طلبها أخيرًا، ما كانش عارف إذا كان من حقه يطلبها أصلًا.
ركبت العربية.
أول ما الباب اتقفل، حسيت إني دخلت عالم تاني.
ريحة الجلد الفاخر امتزجت بريحة عطر تقيل، والزجاج كان غامق لدرجة إن أضواء الشارع باينة من وراه كأنها أشباح بتتحرك.
منصور كان قاعد قصادي، وياسين جنبي، وبيننا وبين السواق فاصل زجاجي مقفول.
منصور طلع علبة سجائر، وبعدها افتكر إنه في عربية مقفولة، فرجعها مكانها.
قال من غير ما يبص لي: “احكيلي بقى. إنتِ اتعلمتي لغة الإشارة فين؟”
“أخويا كان أصم يا فندم.”
“كان؟”
“توفى من ست سنين.”
لأول مرة من ساعة ما قابلته، ملامح منصور اتغيرت لحظة.
“الله يرحمه.”
ما كنتش متوقعة الكلمة منه، لكن قبل ما ألحق أرد، كمل:
“يعني إنتِ بتفهمي لغة الإشارة عشان أخوكي. حلو. وده يفسر إزاي كلمتي ياسين. لكن ما يفسرش هو ليه رد عليكي.”