الساعة 8:17

الساعة كانت 8:17 بالليل، وأكبر معلم مافيا في إسكندرية كان باصص لي بنظرة تخلي أي حد ينسى اسمه من الخوف.

منصور زهران خبط بإصبعه على الترابيزة وقال بصوت خشن: “أنا سألتك سؤال يا جرسونة! ابني قالك إيه؟”

حسيت إن المطعم كله بقى عينيه عليّا، وإن كل نفس باخده بيتحسب عليّا. حتى صوت المطر اللي كان بيخبط على إزاز الشبابيك اختفى وسط الصمت التقيل اللي نزل على المكان.

بصيت لمنصور، وبعدين بصيت لياسين.

كان قاعد جنبي، ضهره مستقيم، ووشه هادي بشكل غريب، لكن عينيه كانوا بيقولوا كلام تاني خالص. كان فيه خوف قديم مستخبي ورا نظرة ثابتة، خوف واحد اتعود يسكت مش لأنه معندوش كلام يقوله، لكن لأنه اتعلم إن الكلام ممكن يكلّفه حياته.

ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت: “حضرتك طلبه واضح يا فندم، ستيك وبطاطس بيوريه وقهوة. وأنا بس كنت بتأكد من درجة التسوية.”

منصور ضيق عينيه. “بتتأكدي من درجة التسوية بلغة الإشارة؟”

ضحكة قصيرة خرجت من واحد من رجاله، لكن منصور رفع إيده فسكت فورًا.

“بصيلي يا هدى.”

اتجمدت مكاني.

أنا ما كنتش قلت له اسمي أصلًا، لكن كان واضح إن رجاله عرفوه من البادج اللي على صدري.

كمل وهو بيميل بجسمه لقدام: “أنا عارف كل واحد بيشتغل في المكان ده، وعارف مين بيكلم مين، ومين بيقابل مين. فمتفتكريش إنك تقدري تعملي فيها ذكية عليّا.”

بلعت ريقي وقلت: “أنا مجرد موظفة يا فندم، بعمل شغلي.”

“أيوه، مجرد موظفة. ودي بالذات المشكلة.”

وبعدين لف ناحية ابنه، ومد إيده قدام وشه ولوّح بيها بطريقة مستفزة، كأنه بيحاول يجبره يبص له.

“ياسين! بص لأبوك لما يكلمك!”

ياسين ما اتحركش.

منصور ضرب كف بكف وقال: “شايفة؟ أهو ده اللي بقولك عليه. سبعة وعشرين سنة، ومش عارف حتى يرد على أبوه!”

قلبي وجعني.

مش عشان ياسين، لكن عشان إني عارفة الإحساس ده كويس. عارفة يعني إيه حد يفتكر إن عدم سماعك معناه إنك مش فاهم، وإن عدم كلامك بصوت معناه إنك معندكش رأي.

أخويا يوسف كان بيبص لي بنفس النظرة دي كل مرة حد يتريق عليه.

عشان كده، قبل ما أفكر في العواقب، رفعت إيدي وبصيت لياسين.

إنت مش مضطر ترد عليه لو مش عايز.

ياسين رفع عينيه ليا ببطء، وبعدين رد بإيده:

أنا عارف.

سكت لحظة، وبعدين كمل:

بس لو رديت عليه دلوقتي، كل اللي بنيته خلال السنين اللي فاتت ممكن ينهار.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *