غرفة عمليات
على ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة: «محمود لم يكن الشخص الوحيد الذي اختفى». وتحتها عنوان ومفتاح صغير. مريم بصت لياسين. — لازم نروح العنوان ده. في المساء، وصلوا لمبنى قديم مهجور في أطراف القاهرة. فتح المفتاح باب شقة صغيرة، جواها مكتب، وصور، وملفات، وعلى الحيطة خريطة للمستشفى.
وفي منتصف المكتب، كان فيه ظرف مكتوب عليه: «إلى ابنتي مريم… من أبيكي». لكن الخط ماكانش خط محمود. فتحت الظرف، ولقت رسالة قصيرة: «لو وصلتي لهنا، يبقى عرفتي إن فؤاد مش الشخص الوحيد اللي كان بيخبي الحقيقة.
الشخص اللي ساعد محمود يهرب، واللي أخفى الأدلة عشرين سنة، هو الشخص اللي كان قريب منك طول الوقت». مريم رفعت عينيها ناحية ياسين. كان واقفًا في آخر الغرفة، وشه شاحب، وعينيه مليانة دموع. — ياسين… إنت تعرف حاجة عن الرسالة دي؟ ما ردش.
وبعدين مد إيده ببطء، وطلع من جيبه صورة قديمة. كانت صورة والد ياسين، الممرض اللي مات من أسبوع، واقف جنب محمود الشناوي أمام غرفة العمليات. لكن المفاجأة ما كانتش في الصورة. المفاجأة كانت في التاريخ المكتوب عليها. الصورة اتاخدت من خمسة أيام فقط. مريم شهقت: — أبوك كان لسه عايش؟!
ياسين هز رأسه، والدموع نزلت من عينيه. — أيوه. حادثة العربية كانت تمثيلية. أبويا اختفى عشان يقدر يوصّل الأدلة للشرطة من غير ما حد يراقبه. — طب هو فين دلوقتي؟ وفجأة، رن تليفون ياسين. رد، وسمع صوتًا يعرفه جيدًا: — يا ابني… أنا آسف إني خبيت عنك كل ده.
صمت الرجل طويلًا، ثم قال: — لأن الحقيقة مش كلها موجودة في الملفات يا مريم. أبوكي ما اختفاش بس عشان يحميكي من فؤاد… هو اختفى لأنه اكتشف إن فيه شخصًا آخر كان بيحاول يقتلك من يوم ما اتولدتي.
مريم حست ببرودة تسري في جسمها. — مين؟! جاءها الرد الذي لم تتوقعه أبدًا: — أمك… أمك ما ماتتش في الحادث. وفي اللحظة دي، انطفأت أنوار الشقة. وسمعوا صوت امرأة من خلف الباب تقول بهدوء: — أخيرًا يا مريم… عرفتي إني لسه عايشة.
التفتت مريم ناحية الباب، وقلبها بيخبط بعنف. انفتح الباب ببطء. وظهرت امرأة مسنة، أنيقة، في إيدها عصا فضية، وعلى رقبتها قلادة تحمل نفس الحرفين المحفورين على خاتم والد مريم. M وF. ابتسمت المرأة وقالت: — أنا مش جاية أشرحلك الماضي يا بنتي… أنا جاية أقولك إن اللي حصل في غرفة العمليات كان مجرد بداية.