اول لما رجعت

رجعت العمارة مع الصبح، بس المرة دي ماكنتش لوحدي.. كلمت أبويا وجالي من المنوفية على أول قطر. أول ما شافني على باب العمارة، أخدني في حــ,,ـــــضنه، ووالله ما قدرت أمسك نفسي، فضلت أعيط بحــ,,ـــــرقة في حــ,,ـــــضنه وأنا بحكيله كل حاجة.

أبويا أخد شنطي وطالع معايا الشقة، وقف عند الباب وبص للكالون المكسور والمكان المكركب مطرح معاينة النيابة، وقال بصوت حاسم مش بيقبل النقاش: — الشقة دي مش هتقعدي فيها دقيقة واحدة زيادة.. لمتي حاجتك المهمة يلا، والعفش ده هجيب عربية تاخده المنوفية بكرة.

في خلال أسبوع واحد، كنت فسخت عقد الإيجار، وسيبت المنطقة كلها. نقلت شقة جديدة في مكان تاني خالص، أقرب لشغلي، وفي عمارة فيها أمن وبواب وأجهزة مراقبة في كل دور. عدت الشهور، بس الصدمة ما راحتش بالساهل.

بقيت كل ما أدخل مكان جديد، لازم أفتش في الأركان، وأراجع الشبابيك والكوالين مرتين وتلاتة. بس مع الوقت، الخوف القاتل اللي كان جوايا بدأ يتحول لدرس عمر.. درس علمني إن المشاعر والشفقة في المواقف الصعبة مش دايماً بتكون هي القرار الصح، وإن الحقائق الحافية هي الحاجة الوحيدة اللي بتحمينا.

دلوقتي، لما بفتكر الليلة دي، ما بفتكرش الرعب على أد ما بفتكر لحظة إدراكي للخدعة على السلم.. اللحظة اللي قررت فيها ما أستسلمش للتمثيلية وأنقذ نفسي بنفسي. مرت سنة كاملة على الحدث ده، ورغم إن حياتي في الشقة الجديدة كانت مستقرة وهادية، إلا إن الفضول والوسواس فضلو يترددو في دماغي كل فترة.

. هل الحكاية خلصت فعلاً عند التخشيبة؟ في يوم وأنا في شغلي، لقيت رقم غريب بيتصل بيا. رديت بحذر: — أيوة، مين معايا؟ جالي صوت ست كبير في السن، صوتها كان جاد وفي نفس الوقت فيه نبرة تحذير: — الأستاذة نادين؟ أنا والدة شريف.

. شريف الحقيقي. قلبي اتنفض ورجعت بضهري لورا على الكرسي: — شريف مين؟ هو مش حضرتك أهله بايعين الشقة وهو توفى من سنتين؟ الست سكتت ثانية، وبعدها قالت بصوت مقهور: — الترزي ضحك عليكي يا بنتي.. شريف ابنِي مش ميت، ولا أنا بعت الشقة.

شريف ابني محجوز في مستشفى الصحة النفسية بالخانكة بقاله سنتين فعلاً، والترزي استغل إنه مريض وعزلنا من الشقة وزور عقود ورما حاجتنا. والراجل اللي اتقبــ,,ـــــض عليه في شقتك.. ده يبقى أخو الترزي نفسه! اتسمرت مكاني ومش قادرة أنطق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *