رجت من السجن ومكنش عندي مكان أروحه… لحد ما ست عجوزة شغّلتني عندها، وسألتني إنتِ دخلتي السجن ليه؟ وساعتها حكيتلها الحقيقة اللي قلبت كل حاجة! الجزء الأول سرّ ورا القضبان لو فكرتي تنطقي اسمي تاني، أوعدك إنك هترجعي السجن بإيدي! ده كان تهديد أختي رانيا، وهي بترمي ظرف فيه فلوس عند رجلي. مكنش عدى على خروجي من السجن غير 19 يوم بس. لسه كنت بصحى مفزوعة كل ما أسمع باب بيتقفل، وكأن صوت الأبواب لسه بيطاردني حتى بعد ما خرجت. والنهارده، لقيت رانيا واقفة قدامي في جنينة بيت مش حتى ملكي، وبتبصلي بنفس النظرة اللي كانت بتبصهالي قبل ما حياتي تتقلب. والأوجع من تهديدها إنها كانت لابسة الساعة اللي بابا أهدهالي قبل ما يموت! بصيت للظرف اللي رمته عند رجلي، وبعدين رفعت عيني ليها وقلت بهدوء خدي فلوسك. إنتِ أخدتي مني أربع سنين من عمري، ومش هتقدري تشتري السنين اللي فاضلة لي. ابتسمت رانيا بسخرية وقالت لسه فاكرة إنك تقدري تكسبي؟ عشان تفهموا إزاي وصلنا للحظة دي، لازم أحكيلكم اللي حصل من أول يوم خرجت فيه من سجن النساء في القناطر. اسمي مريم عبد الرحمن، عندي 36 سنة، وقضيت تقريبًا أربع سنين من حكم بالسجن خمس سنين في قضية نصب أنا ماليش أي علاقة بيها. قبل ما أدخل السجن، كان عندي شركة لتوزيع المستلزمات الطبية، وبيت في التجمع، وجوز كنت معتبره صاحبي وأقرب إنسان ليا. لكن لما خرجت، كل اللي كان معايا شنطة فيها شوية هدوم، و جنيه، وسابقة جنائية بتظهر في أي تحرٍّ عن ماضيّ. جوزي، أحمد الشناوي، كان استولى على شركتي، وأختي رانيا كانت ماسكة الحسابات. أما البيت، فكان مرهون بقرض أنا عمري ما وافقت عليه. والأصعب من كل ده إن الاتنين ما ردوش على أي محاولة مني إني أتواصل معاهم بعد خروجي المبكر من السجن. فضلت تسعة أيام أدور على شغل. في تلات أماكن رفضوني أول ما عرفوا إني كنت مسجونة. وفي مكان رابع عرضوا عليّا أنضف مكاتب بالليل، لكنهم طلبوا عنوان ثابت، وأنا مكنش معايا فلوس تكفيني حتى للمواصلات. لحد ما في يوم، لقيت إعلان مكتوب بخط الإيد في محل صغير في منطقة قريبة من بيتي القديم. الإعلان كان بيطلب ست تشتغل إقامة كاملة في بيت، تطبخ وتحافظ على نظافته، مقابل أوضة وأكل و جنيه في الأسبوع. صاحبة البيت كانت ست أرملة اسمها الحاجة نوال، عندها 74 سنة وعايشة لوحدها. استقبلتني وهي لابسة فستان كحلي، وشعرها أبيض بالكامل، وعينيها كانت بتفحصني كأنها بتحاول تعرف حتى الحاجات اللي أنا مش عايزة أحكيها. سألتني بتعرفي تطبخي أكل بيتي؟ أيوه يا حاجة. وبتعرفي تمسكي حسابات وتنظمي الفواتير؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت دي بعرفها أحسن من الطبخ كمان. رفعت حاجبها باستغراب، وبعدين قالت يبقى تيجي تبدأي شغل من بكرة. قبل ما أوافق، قررت أكون صريحة معاها وأقولها إني عندي سابقة جنائية. سكتت كام ثانية، وبعدين بصتلي وقالت أنا سألتك إذا كنتِ بتعرفي تشتغلي، مسألتكيش إذا كانت حياتك كلها مثالية. الكلام ده كان كفاية إنه يخليني أحس لأول مرة من وقت طويل إن الدنيا لسه فيها ناس ممكن تحكم عليّا من غير ما تديني ضهرها. الليلة دي نمت في أوضة صغيرة شباكها بيطل على الحوش. ولأول مرة من سنين، قدرت أقفل باب الأوضة وأنا مطمنة إن مفيش حد هييجي يقرر إمتى أفتحه تاني. في الأيام الأولى، علاقتي بالحاجة نوال كانت مجرد شغل. كنت بصحى أجهز الفطار، وأنضف البيت، وأغسل الهدوم، وأرتب الإيصالات والفواتير اللي كانت متراكمة عندها في علبة قديمة. لكنها لاحظت بسرعة إني بفهم في الفواتير وكشوف الحسابات أكتر من أي ست شغالة في بيت. وفي يوم، سألتني وهي بتقلب في ورق الحسابات إنتِ مش طول عمرك شغالة في البيوت، صح؟ رديت عليها لأ يا حاجة، أنا كان عندي شركة قبل كده. مستفسرتش أكتر، وأنا كمان مكنتش مستعدة أحكي. لكن في حاجة غريبة بدأت تحصل. مرتين وأنا بكنس قدام البيت، لاحظت عربية رمادي واقفة في الناحية التانية من الشارع. وكل ما أرفع راسي وأبص ناحيتها، ألاقيها بتتحرك وتمشي. في المرة التانية، لمحت راجل جواها بيرفع موبايله وبيصورني. وقتها بدأت أشك إن أحمد بعت حد يراقبني، لكن مكنش عندي أي دليل. عشان كده، كتبت جزء من رقم لوحة العربية والوقت اللي ظهرت فيه في كشكول صغير، واحتفظت بيه معايا. في اليوم التاني عشر من شغلي، الحاجة نوال طلبت مني أقعد معاها على الغدا. كانت عاملة شوربة فراخ، وإحنا بناكل، سألتني سؤال خلاني أتجمد مكاني. يا مريم، إنتِ دخلتي السجن ليه؟ إيدي اتشدت على المعلقة، وحسيت إن كل الذكريات اللي كنت بحاول أهرب منها رجعت قدامي مرة واحدة. أخدت نفس طويل وقلت عشان جوزي وأختي سرقوا فلوس باسمي، وبعدها أقنعوا كل الناس إني أنا اللي عملت كده. وبدأت أحكيلها إزاي بنيت شركة النيل للمستلزمات الطبية من محل صغير، وإزاي كنت بشتغل حتى يوم الجمعة عشان أقدر أكسب عقود توريد مع المستشفيات والعيادات الخاصة. أحمد كان مسؤول عن المبيعات، ورانيا كانت ماسكة الإدارة والحسابات. وأنا كنت واثقة في الاتنين ثقة عمياء. لحد ما حماتي، الحاجة سعاد، تعبت تعب شديد، واضطريت أقضي أسابيع جنبها في المستشفى. وفي الفترة دي بالذات، بدأت تظهر تحويلات بنكية باسمي، وكأنها تمت بموافقتي. الفلوس كانت بتروح لشركة توريدات عمري ما سمعت عنها قبل كده. ولما التحقيقات بدأت، أحمد قال إني أنا اللي أمرت بالتحويلات، ورانيا قدمت مستندات شكلها كان بيثبت كلامه. حاول المحامي بتاعي يثبت براءتي، لكنه مقدرش يقنع المحكمة بالحقيقة. وفي النهاية، خسرت القضية، وخسرت معاها شغلي وبيتي وحريتي. الحاجة نوال فضلت تسمعني من غير ما تقاطعني، ولما خلصت كلامي، سألتني ولسه معاكي أي ورق من الأيام دي؟ معايا شوية صور من المستندات، كنت خبّيتهم قبل ما يقبضوا عليّا. سكتت لحظة، وبعدها قامت ودخلت أوضتها. رجعت وهي ماسكة ورقة مطبقة، ومدّتهالي. كان مكتوب عليها اسم ورقم تليفون. قالتلي ده اسمه شريف منصور، محقق مالي. ساعدني زمان لما حصلتلي مشاكل مع جوزي السابق. هو مش ساحر، لكنه بيعرف يكتشف الكدب اللي بيستخبى بين الأرقام. حسيت إن حاجة جوايا اتحركت، وإن باب كنت فاكرة إنه اتقفل للأبد ممكن يكون لسه مفتوح. سألتها بتردد بس أنا مش معايا فلوس أدفعله. ردت بثقة كلميه الأول، وبعدها نبقى نشوف. وبعدين طلعت موبايلها وقالت وفي حاجة تانية لازم تعرفيها. فتحت رسالة كانت وصلتلها الليلة اللي فاتت، وورتهالي. كانت ست بتعرض عليها 30 ألف جنيه مقابل إنها تطردني من البيت فورًا، وبتحذرها مني، وبتقولها إني إنسانة خطيرة. أول ما شفت رقم المرسل، حسيت ببرودة بتسري في جسمي. الرسالة كانت من رانيا، أختي نفسها! لكن اللي خلاني أحس إن الدم اتجمد في عروقي فعلًا، كانت الصورة المرفقة بالرسالة. الصورة كانت لبيتي القديم، واليافطة اللي بتعلن عن بيعه متعلقة في الجنينة. وتحت الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة قبل ما مريم تكتشف إحنا عملنا إيه في عقد ملكية البيت، لازم نخرجها من القاهرة بأي طريقة! فضلت باصة للصورة، وأنا بحاول أفهم إيه اللي ممكن يكونوا عملوه في عقد ملكية بيتي، وإزاي أختي وجوزي قدروا يوصلوا للمرحلة دي من غير ما أعرف. كنت فاكرة إنهم سرقوا شركتي، وضيعوا مستقبلي، ودخلوني السجن ظلم. لكن واضح إن اللي اكتشفته لحد اللحظة دي مكنش غير جزء صغير من الحقيقة. والسر اللي كان مستخبي في عقد ملكية البيت، كان على وشك إنه يكشف جريمة أكبر بكتير من كل اللي حصل قبل كده! يتبع… حكايات محمد نور الجزء التاني العقد اللي خبّوا فيه الجريمة فضلت باصة للصورة اللي الحاجة نوال وريتهالي، وأنا حاسة إن الأرض بتتهز من تحتي. بيتي القديم… البيت اللي اشتريته من تعبي وفلوسي، واللي كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلتلي هي إني خسرته بسبب القرض اللي أحمد عمله باسمي. لكن رسالة رانيا كشفت إن فيه سر تاني، سر هما مستعدين يدفعوا 30 ألف جنيه عشان يفضل مستخبي! رفعت عيني للحاجة نوال وسألتها بصوت متوتر يا حاجة، إنتِ متأكدة إن الرسالة دي من أختي؟ هزت راسها وقالت الرقم هو نفسه اللي بعتلي منه الإعلان عن شغلك. ولما سألتها إنتِ مين، قالتلي إنها واحدة من قرايبك، وإنك بتكدبي على الناس عشان تسرقيهم! ضحكت بمرارة، وقلت رانيا طول عمرها شاطرة في إنها تلبس الباطل لبس الحق… بس المرة دي أنا مش هسكت. الحاجة نوال قربت الكرسي مني وقالت بجدية الكلام سهل يا مريم. لكن إنتِ خرجتي من السجن من أقل من شهر، وأي غلطة ممكن تضيّع منك حياتك من جديد. لازم تتحركي بعقلك، مش بغضبك. كلامها كان صح. أنا مش عايزة أواجه رانيا وأحمد لمجرد إني أشوف الخوف في عينيهم. أنا عايزة أعرف الحقيقة، وأرجّع حقي، وأثبت إني مكنتش الحرامية اللي هما صوّروني للناس إني هي. طلعت الشنطة القديمة من تحت السرير، وفتحت الجيب الداخلي اللي كنت مخبية فيه شوية أوراق من أيام الشركة. كان عندي صور من كشوف حسابات، وصورة لعقد تأسيس الشركة، وإيصال قديم عليه توقيع أحمد. لكن وسط الورق ده كله، لقيت حاجة نسيت تمامًا إنها موجودة. صورة لعقد ملكية بيتي! فردتها على الترابيزة، وبدأت أراجع البيانات المكتوبة فيها. العقد كان باسمي بالكامل، ومفيش أي شريك ليا في الملكية. لكن فيه حاجة لفتت نظري… رقم التسجيل العقاري المكتوب في الصورة كان مختلف عن الرقم اللي فاكره من النسخة الأصلية اللي احتفظت بيها قبل دخولي السجن. قربت الورقة من عيني، وراجعت الرقم مرتين. وبعدين همست مستحيل! الحاجة نوال سألتني بقلق مالك يا بنتي؟ إيه اللي شوفتيه؟ رفعت راسي ليها وقلت النسخة اللي معايا مش هي نفس النسخة اللي سجلت بيها البيت! سكتت الحاجة نوال لحظة، وبعدين قالت يعني إيه؟ يعني يا حاجة إن فيه حد غيّر حاجة في الورق، أو إن فيه عقد تاني اتعمل من ورايا… بس أنا مش فاهمة إزاي. في اللحظة دي، افتكرت حاجة حصلت قبل القبض عليّا بشهر تقريبًا. أحمد دخل عليّا المكتب يومها، وكان معاه ملف أزرق. قاللي إنه محتاج توقيعي على شوية أوراق تخص تحديث بيانات الشركة، وإن الموضوع مجرد إجراءات روتينية. كنت وقتها مرهقة جدًا بسبب مرض حماتي، ووقّعت على ورقتين من غير ما أراجع كل كلمة فيهم. لما افتكرت الموقف، حسيت بوجع في صدري. يا ترى أنا وقّعت على إيه بالضبط؟ وهل الورق اللي مضيت عليه كان له علاقة بالبيت؟ قررت إني لازم أكلم شريف منصور في أسرع وقت. اتصلت بالرقم اللي الحاجة نوال ادتهولي، وبعد محاولتين رد عليّا صوت راجل هادي. أيوه، مين معايا؟ أنا مريم عبد الرحمن. الحاجة نوال هي اللي ادتني رقم حضرتك. سكت لحظة، وبعدين قال مريم عبد الرحمن… صاحبة شركة النيل للمستلزمات الطبية؟ اتخضيت من إنه عارف اسمي. أيوه، أنا. حضرتك تعرفني؟ رد بهدوء مش معرفة شخصية، لكن اسم شركتك ظهر قدامي من فترة في مراجعة مالية تخص إحدى شركات التوريدات. كنت محتاج أوصل لصاحبة الشركة وقتها، لكن اتقال لي إنك مسافرة ومش متاحة. قلبي بدأ يدق بسرعة. مراجعة مالية؟ تخص أنهي شركة؟ قال اسم الشركة، وأول ما سمعته حسيت إن نفسي اتسحب مني. دي كانت نفس الشركة اللي اتحولت ليها الفلوس اللي دخلتني السجن! قلت بسرعة أستاذ شريف، أنا اتحبست بسبب التحويلات دي، وأنا عندي مستندات ممكن تثبت إني مظلومة. رد عليّا بجدية متبعتيش أي أوراق لحد دلوقتي. محتاج أشوف المستندات الأصلية أو صور واضحة منها، وأراجع التواريخ والأرقام. لو فيه تلاعب، لازم نعرف مين المستفيد الحقيقي من التحويلات. اتفقنا نتقابل في اليوم التالي في مكتبه. لكن قبل ما أقفل، سألني سؤال غريب مريم، هو جوزك أحمد الشناوي لسه بيتصرف في ممتلكات باسمك؟ اتجمدت مكاني. حضرتك عرفت منين؟ قال لأن اسمك ظهر في مستند تاني، ومرتبط بمعاملة أكبر بكتير من تحويلات الشركة. ومش عايز أقولك استنتاج قبل ما أتأكد من الورق. حاولت أضغط عليه عشان أعرف تفاصيل أكتر، لكنه رفض يتكلم قبل ما يشوف المستندات. قفلت المكالمة، وبصيت للحاجة نوال. قلت لها وأنا بحاول أسيطر على ارتباكي يا حاجة، الموضوع أكبر من الشركة بكتير. فيه معاملة تانية باسمي، وشريف شايف إنها ممكن تكون مرتبطة باللي حصل. الحاجة نوال مسكت إيدي وقالت يبقى بكرة تروحي له، وتعرفي الحقيقة. لكن الليلة دي لازم ترتاحي. حاولت أنام، لكن كل ما أغمض عيني، أفتكر توقيعي على الورق الأزرق، ووش أحمد وهو بيقولي إن الموضوع مجرد إجراءات روتينية. وفجأة، حوالي الساعة اتنين بعد نص الليل، سمعت صوت خبط خفيف على باب البيت. قمت من سريري، وخرجت من الأوضة بهدوء. الحاجة نوال كانت لسه صاحية، ولما شافتني أشرتلي أسكت. قربت من الباب، وبصت من العين السحرية. وبعدين رجعتلي ووشها متغير. همست فيه ظرف محطوط قدام الباب، ومفيش حد واقف بره. استنيت شوية، وبعدها فتحت الباب بحذر وأخدت الظرف. كان مكتوب عليه اسمي بخط إيدي أختي رانيا. فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة قديمة ليا أنا وأحمد ورانيا، من يوم افتتاح شركتي. لكن على ضهر الصورة، كان فيه كلام مكتوب بقلم أحمر لو عايزة تعرفي مين اللي وقّع مكانك على عقد البيت، افتحي خزنة أبوكي القديمة… قبل ما أحمد يبيع آخر حاجة فاضلة منه! حسيت برجلي مش شايلاّني. خزنة بابا! الخزنة اللي كانت موجودة في مكتبه القديم، واللي أحمد قاللي بعد وفاة بابا إنها اتباعت مع باقي أثاث المكتب. إزاي رانيا عارفة إنها لسه موجودة؟ وليه بتبعتلي رسالة سرية بدل ما تواجهني؟ قلبت الصورة مرة تانية، فلاحظت تفصيلة صغيرة عمري ما أخدت بالي منها. بابا كان واقف جنبنا، وفي إيده مفتاح صغير، وعلى المكتب وراه كان ظاهر طرف ملف بني مكتوب عليه كلمة واحدة الأمانة. في اللحظة دي، افتكرت آخر مرة دخلت فيها مكتب بابا قبل وفاته بأيام. كان تعبان، وصوته ضعيف، لكنه طلب مني طلب غريب. قاللي يومها يا مريم، لو في يوم لقيتي نفسك لوحدك، ومحدش صدق كلامك، متحكميش على أي حد من الورق اللي قدامك… دوري على الأصل. وقتها افتكرت إنه بيتكلم عن شغل الشركة، لكن دلوقتي بدأت أشك إن كلامه كان له معنى تاني خالص. بصيت للحاجة نوال وقلت لازم أروح مكتب بابا. ردت بقلق وإنتِ عارفة مكانه؟ هزيت راسي ببطء. أيوه… بس فيه مشكلة. إيه هي؟ بلعت ريقي وقلت المكتب دلوقتي بقى ملك أحمد، ولو دخلت هناك من غير إذنه، ممكن يتهمني بالتعدي على ممتلكاته. الحاجة نوال فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت يبقى الأول نعرف إذا كانت الخزنة لسه موجودة فعلًا، ونشوف إزاي نوصل للحقيقة من غير ما نديهم فرصة يأذوكي تاني. في الصباح، لبست هدومي، وخدت صور المستندات، وتوجهت لمكتب شريف منصور. كنت فاكرة إني رايحة عشان أثبت إن جوزي وأختي سرقوا فلوس الشركة. لكن أول ما دخلت مكتبه، لقيته واقف قدام شاشة الكمبيوتر، وعلى مكتبه ملف كبير عليه صورة عقد ملكية بيتي القديم. رفع عينيه ليا وقال مريم، قبل ما نبدأ مراجعة حسابات الشركة، لازم أوريكي حاجة. قعدت قدامه، وقلبي بيدق بعنف. فتح الملف، وطلع منه صورة عقد، وحطها قدامي. بصيت للتوقيعات، وللأختام، وللتاريخ المكتوب في آخر الصفحة. وبعدين رفعت عيني له وأنا مش مصدقة اللي شايفاه. لأن العقد ده كان بيثبت إن بيتي اتباع من أربع سنين… في نفس اليوم اللي اتقبض عليّا فيه! لكن الصدمة الأكبر كانت في اسم الشخص اللي اشترى البيت. اسم عمره ما خطر على بالي، واسم وجوده في الورق معناه إن أحمد ورانيا كانوا بيخفوا عني سر أخطر بكتير من مجرد سرقة ممتلكاتي. شريف قرب العقد مني وقال مريم، أنا محتاجك تجاوبيني على سؤال واحد بس، وبكل صراحة… إنتِ تعرفي الشخص ده من قبل كده؟ يتبع… الجزء الثالث الراجل اللي اشترى بيتي كان عارف سرّي! فضلت باصة للاسم المكتوب في العقد، وأنا بحاول أفتكر إذا كنت شفته قبل كده. الاسم كان محمود عبد الرحمن. نفس اسم أبويا! لكن الاسم بالكامل كان مختلف، لأن المشتري اسمه محمود عبد الرحمن السيوفي، \وده اسم عمره ما عدى عليّا في حياتي. رفعت عيني لشريف وقلت لأ، معرفوش. بس إزاي شخص غريب يشتري بيتي في نفس اليوم اللي اتقبض عليّا فيه؟ وإزاي البيع يتم من غير ما أعرف؟ شريف عدّل نظارته وقال دي بالضبط الأسئلة اللي لازم نجاوب عليها. العقد اللي قدامك بيقول إن البيع تم بتوكيل رسمي صادر منك قبل القبض عليكي بشهرين. حسيت بصدمة شديدة. توكيل إيه؟! أنا معملتش توكيل لحد بخصوص بيتي! شريف سحب ورقة تانية من الملف وقال فيه توكيل فعلًا مسجل باسمك، وبيسمح للشخص المذكور إنه يتصرف في العقار. لكن لسه محتاجين نراجع أصل التوكيل ونتأكد من ظروف صدوره. حطيت إيدي على رأسي وقلت أنا فاكرة الورق الأزرق اللي أحمد جابهولي قبل ما أدخل السجن! قاللي إنه مجرد تحديث لبيانات الشركة. شريف بصلي باهتمام. هل ممكن يكون خلاكي توقّعي على توكيل ضمن الأوراق دي؟ مش عارفة… بس لو عمل كده، يبقى استغل ثقتي فيه عشان ياخد بيتي! شريف مأكدش كلامي، لكنه كتب ملاحظة في الملف وقال هنراجع ده قانونيًا. ومش هنعتبر أي احتمال حقيقة قبل ما نتحقق منه. وبعدين سألني تعرفي حاجة عن محمود السيوفي؟ هزيت راسي بالنفي. لكنه أول ما شاف رد فعلي، فتح درج مكتبه وطلع صورة قديمة لرجل في الخمسينات من عمره، لابس بدلة رمادي وواقف قدام مبنى إداري كبير. ناولني الصورة وقال الراجل ده كان شريك في شركة توريدات طبية، والشركة دي اتعاملت مع شركتك قبل ما تبدأ التحقيقات. دققت في ملامحه، وفجأة افتكرت حاجة! استنى… أنا شفت الراجل ده قبل كده! شريف قرب مني. فين؟ في مكتب أحمد. كان جاي مرة، قبل ما حماتي تتعب بفترة قصيرة. أحمد عرّفهولي على إنه مستثمر مهتم بتوسيع نشاط الشركة، لكن الاجتماع كان قصير، ومتكلمتش معاه كتير. شريف كتب الاسم، وبعدين سألني أحمد قالك إن المستثمر ده اسمه محمود السيوفي؟ حاولت أفتكر. مش متأكدة، بس فاكرة إنه قال إن الراجل عنده علاقات قوية في مجال المستلزمات الطبية. شريف قفل الملف وقال مريم، عندنا دلوقتي خيوط تستحق التحقيق، لكن لازم نتحرك بحذر. لو فيه مستندات اتزوّرت أو اتستخدمت بطريقة غير قانونية، لازم نوصل للأصل. خرجت من مكتبه وأنا حاسة إن أول مرة من أربع سنين، فيه حد بيسمعني وبيتعامل مع كلامي بجدية. لكن قبل ما أوصل للشارع، موبايلي رن. رقم مجهول. رديت بحذر ألو؟ جالي صوت راجل غريب مدام مريم عبد الرحمن؟ أيوه، مين معايا؟ أنا محمود السيوفي. وقفت مكاني! الراجل اللي اسمه موجود على عقد بيتي، واللي معرفوش غير من دقائق، بيتصل بيا بنفسه! قلت بسرعة حضرتك اشتريت بيتي إزاي؟ سكت ثواني، وبعدين قال كنت متوقع إنك هتتواصلي معايا في يوم من الأيام. يعني إيه؟ إنت تعرفني؟ رد بصوت هادي أنا معرفكيش شخصيًا، لكن أعرف إنك اتحبستي في قضية نصب، وأعرف إنك خرجتي من السجن من فترة قصيرة. حسيت بالخوف والغضب في نفس الوقت. وإنت مالك بقضيتي؟ وإيه علاقتك ببيتي؟ قال لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي بكرة الساعة 11 الصبح، لمكتبي في مدينة نصر. بس عندي شرط واحد. شرط إيه؟ تيجي لوحدك، ومتقوليش لأحمد إنك كلمتيني. قفلت المكالمة من غير ما أرد. أول حاجة عملتها إني رجعت لشريف وحكيتله المكالمة بالتفصيل. قاللي بوضوح متروحيش تقابليه من غير ما نعرف عنه معلومات أكتر. ومفيش داعي تخاطري بنفسك عشان تسمعي كلام ممكن يكون مجرد محاولة للتأثير عليكي. رجعت لبيت الحاجة نوال، وقررت أستنى لحد ما نعرف مين الراجل ده فعلًا. لكن أول ما دخلت، لقيت الحاجة نوال قاعدة في الصالة، وقدامها ظرف بني كبير. وشها كان شاحب، وإيديها بتترعش. سألتها بقلق مالك يا حاجة؟ إيه الظرف ده؟ بصتلي وقالت حد جه البيت وإنتِ بره. قال إنه مندوب، وساب الظرف ده ليكي. فتحته، ولقيت جواه صورة لمكتب بابا القديم، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب عليها الخزنة لسه موجودة، لكن لو وصلتي ليها متفتحيهاش قبل ما تعرفي مين اللي خان ثقة أبوكي! قعدت جنب الحاجة نوال، وحسيت إن كل خيط جديد بيظهر قدامي بيجر وراه سر أخطر. مين اللي بعت الرسالة؟ وليه الشخص ده عارف إن خزنة بابا لسه موجودة؟ وقبل ما أقدر أفكر في إجابة، الحاجة نوال قالتلي إنها افتكرت حاجة كانت نسيتها من سنين. قالت يا مريم، أبوكي الله يرحمه كان يعرف جوزي الأول. وفي مرة، قبل وفاته بشهر تقريبًا، جه زارني هنا، وكان شايل ملف بني شبه ده بالضبط. بصيتلها بذهول. بابا جه هنا؟ وإنتِ عمرك ما قلتيلي! هزت راسها وقالت مكنتش أعرف إن الموضوع له علاقة بيكي. لكنه يومها طلب مني طلب غريب… قاللي لو بنتُه مريم جت في يوم وسألت عن ملف الأمانة، أديها رسالة كان سايبها عندي. وقفت من مكاني بسرعة. والرسالة دي فين يا حاجة؟ قامت الحاجة نوال، ودخلت أوضتها، وبعد دقائق رجعت بصندوق خشب صغير. فتحته بمفتاح كانت مخبياه في سلسلة رقبتها، وطلعت منه جواب قديم عليه اسم أبويا بخط إيده. مسكت الجواب، وفتحته بإيدين بيرتعشوا. كان مكتوب فيه بنتي مريم… لو وصلتك الرسالة دي، يبقى غالبًا حصلت حاجة كنت خايف منها. أنا مش عارف مين هيحاول ياخد منك حقك، لكن فيه مستند واحد لو ظهر، هيكشف الحقيقة كلها. دوري على النسخة الأصلية من عقد تأسيس شركة النيل، وراجعي الصفحة الأخيرة كويس. ومتثقيش في أي حد يقولك إن توقيعك موجود، لأن التوقيع مش دايمًا دليل إن صاحبه كان عارف هو بيمضي على إيه. حسيت إن قلبي هيقف. بابا كان خايف من حاجة تحصل لي! والأخطر إنه كان عارف إن فيه احتمال إن حد يستغل توقيعي. لكن قبل ما أكمل قراءة الرسالة، لقيت ورقة صغيرة واقعة من بين طياتها. فتحتها، ولقيت عليها عنوان مكتب المحامي اللي كان مسؤول عن تسجيل الشركة من البداية. وتحت العنوان، مكتوب بخط أبويا اسألي الأستاذ فؤاد عن اللي حصل يوم تعديل عقد الشركة… هو الوحيد اللي حضر بنفسه. رفعت عيني للحاجة نوال وقلت لازم أوصل للمحامي ده. يمكن يكون هو اللي يعرف الحقيقة. لكن الحاجة نوال مسكت إيدي فجأة وقالت استني يا مريم… أنا افتكرت حاجة تانية. إيه؟ بصتلي بقلق شديد وقالت الراجل اللي كان جاي يزور أبوكي هنا قبل وفاته… مكنش لوحده. كان معاه مين؟ بلعت ريقها، وبعدين قالت الاسم اللي خلاني أحس إن كل حاجة في حياتي اتقلبت من جديد كان معاه أحمد جوزك… وأختك رانيا! يتبع… الجزء الرابع الزيارة اللي سبقت موت أبويا! حسيت إن حد صبّ عليّا ميّه ساقعة. أحمد ورانيا كانوا عند الحاجة نوال قبل وفاة أبويا؟! إزاي؟ وليه محدش فيهم قالّي إنهم يعرفوها أصلًا؟ مسكت إيد الحاجة نوال وسألتها بصوت بيرتعش يا حاجة، إنتِ متأكدة إن اللي شوفتيهم كانوا أحمد ورانيا؟ هزت راسها وقالت أيوه يا بنتي، فاكرة وشوشهم كويس. بس وقتها مكنتش أعرف إنهم هيبقوا سبب في اللي حصلك. أبوكي جه هنا وهو مهموم، وكان بيتكلم مع جوزي الأول في موضوع فلوس ومستندات. وبعد ما مشي، أحمد ورانيا وصلوا بعده بيومين تقريبًا. وسمعتي قالوا إيه؟ الحاجة نوال سكتت شوية، وكأنها بتحاول تجمع ذكرياتها. مش كل الكلام، لكن فاكرة إن رانيا كانت بتقول لأحمد لازم نخلص الموضوع قبل ما مريم تعرف. وهو رد عليها وقال أبوها مش هيسيب الورق ده يختفي بسهولة. حسيت إن رجلي مبقتش شايلاني. أبويا كان عارف إن فيه حاجة غلط، وكان بيحاول يحافظ على مستندات معينة. وأحمد ورانيا كانوا عايزين يوصلوا للمستندات دي قبل ما أعرف الحقيقة! لكن فيه سؤال كان بيلحّ عليّا. إيه علاقة كل ده بوفاة أبويا؟ أبويا مات بعد الزيارة دي بفترة قصيرة، ووقتها قالولنا إن وفاته كانت بسبب أزمة قلبية مفاجئة. مكنش عندي أي سبب أشك في كلامهم، لكن دلوقتي اكتشفت إن فيه أسرار كتير اتخبّت عني. بصيت للحاجة نوال وقلت يا حاجة، إنتِ شاكة إنهم كان لهم علاقة بوفاته؟ ردت بسرعة لأ يا بنتي، أنا معنديش دليل على حاجة زي دي، ومينفعش نتهم حد من غير دليل. إحنا لازم نعرف إيه اللي كانوا بيدوروا عليه، وبعدها الحقيقة هي اللي هتتكلم. كلامها هدّاني شوية. أنا مش عايزة أظلم حد زي ما اتظلمت، ولا عايزة أتهمهم بحاجة لمجرد إني غاضبة منهم. أنا عايزة الحقيقة، مهما كانت. تاني يوم الصبح، اتصلت بالأستاذ فؤاد، المحامي اللي كان اسمه مكتوب في رسالة أبويا. في البداية، لما عرف اسمي، سكت فترة طويلة. وبعدين قال مريم؟ إنتِ بنت عبد الرحمن بيه؟ أيوه يا أستاذ فؤاد. محتاجة أقابلك بخصوص عقد تأسيس شركة النيل، وأوراق قديمة تخص أبويا. صوته اتغير فجأة. مين قالك على الأوراق دي؟ أبويا سايبلي رسالة قبل وفاته. سمعت صوت نفس طويل من الناحية التانية، وبعدها قال تعالي مكتبي بكرة الساعة عشرة، وهاتي معاكي أي مستندات عندك. بس يا بنتي، لازم تكوني مستعدة تسمعي حاجات ممكن تغير نظرتك لناس كتير. قفلت المكالمة وأنا مش عارفة أفرح ولا أخاف. في اليوم التالي، رحت مكتبه ومعايا صورة عقد الملكية وصور مستندات الشركة. الأستاذ فؤاد كان راجل كبير في السن، شعره أبيض ونظراته جادة. أول ما شافني، قام من مكانه وقال أنا آسف يا مريم. استغربت. آسف على إيه يا أستاذ؟ رجع قعد، وفتح درج مكتبه، وطلع ملف قديم مربوط بخيط. قال على إني معرفتش أحمي شغل أبوكي زي ما كان متوقع مني. فتح الملف وبدأ يطلع مستندات قديمة، لحد ما وصل لنسخة من عقد تأسيس الشركة. قلب الصفحة الأخيرة، وحط صباعه على بند معين. شايفة البند ده؟ قربت الورقة مني وبدأت أقرا. كان فيه بند بيتكلم عن صلاحيات الإدارة والتوقيع على المعاملات المالية. قلت باستغراب أيوه، بس إيه علاقته بالقضية؟ رد النسخة الأصلية اللي اتعملت وقت تأسيس الشركة مكنش فيها البند ده بالشكل الموجود هنا. البند اتعدل بعد كده، والتعديل ده هو اللي ادّى صلاحيات واسعة لشخص تاني في إدارة أموال الشركة. بصيتله بصدمة. مين الشخص ده؟ رفع عينيه ليا وقال أختك رانيا. حسيت إن الكلام بيلف حواليا. رانيا مكنتش مجرد موظفة بتساعدني في الحسابات، زي ما كنت فاكرة. كان عندها صلاحيات أكبر بكتير، وأنا مكنتش أعرف إنها اتسجلت بالشكل ده. سألته بسرعة بس أنا مضيت على تعديل زي ده؟ الأستاذ فؤاد رجع يقلب في الأوراق. فيه نسخة عليها توقيع منسوب ليكي، لكن أنا مش هقدر أجزم إن التوقيع ده صحيح أو إنك كنتِ عارفة بكل تفاصيل التعديل من غير ما نفحص المستندات. وبعدين أضاف أبوكي جه عندي قبل وفاته، وكان قلقان من تغييرات بتحصل في حسابات الشركة. طلب مني أحتفظ بنسخة من العقد الأصلي، وقال إن ممكن تحتاجيها في يوم من الأيام. قلبي بدأ يدق أسرع. يعني أبويا كان عارف إن فيه مشكلة؟ كان عنده شكوك، لكنه مكانش معاه دليل كافي يثبت مين المسؤول. وطلب مني ما أواجهش حد قبل ما نتأكد. سألته والنسخة الأصلية فين دلوقتي؟ الأستاذ فؤاد أشار للملف. دي نسخة محفوظة عندي من وقتها. لكن فيه مستند تاني أبوكي طلب مني أحتفظ بيه، ومش موجود هنا. إيه هو؟ بصلي للحظات، وبعدين قال كشف حساب قديم، فيه تفاصيل تحويلات تمت قبل ما تبدأ التحقيقات ضدك بأيام. اتسعت عينيّ. والتحويلات دي راحت لمين؟ الأستاذ فؤاد نزل عينيه للملف وقال اسم المستفيد موجود في الكشف، لكن قبل ما أوريهولك، لازم تعرفي إن الشخص ده كان له علاقة مباشرة ببيع بيتك. حسيت إن كل الخيوط بدأت تتجمع في مكان واحد. الشركة، والبيت، والتوكيل، والورق اللي اختفى، كلهم مرتبطين ببعض. لكن فجأة، موبايل الأستاذ فؤاد رن. بص للشاشة، واتغيرت ملامحه. رفض المكالمة، وبعد ثواني رن تاني. المرة دي رد. أيوه؟ سمعنا صوت راجل بيتكلم بعصبية من الناحية التانية، لكن الأستاذ فؤاد مكنش بيرد غير بكلمات قليلة. وبعدين قال بوضوح لأ، مش هقدر أساعدك في الموضوع ده. الأوراق دي ملك مريم، ومن حقها تعرف الحقيقة. وقفل الخط. بصيتله وسألته مين كان بيتصل؟ اتردد لحظة، وبعدها قال أحمد الشناوي. اتجمدت مكاني. أحمد عرف إني هنا! وقبل ما أسأله عرف منين، الأستاذ فؤاد قام وقفل باب مكتبه، ورجع قعد قدامي. قال بصوت منخفض مريم، أحمد مش عايزك توصلي للمستند ده. وده معناه إننا لازم نراجع كل حاجة بدقة قبل ما نتحرك. مد إيده للدرج وطلع ظرف أبيض صغير. أبوكي سلّمني الظرف ده قبل وفاته، وقاللي ما افتحوش إلا لو حصلت مشكلة تخص ملكية البيت أو أموال الشركة. فتحت الظرف بإيدين مرتعشين. جواه ورقة واحدة، مكتوب عليها بخط أبويا لو مريم اضطرت تدافع عن نفسها يومًا، لازم تعرف إن الحقيقة مش موجودة بس في الحسابات… الحقيقة كمان موجودة في الشاهد اللي محدش فكر يسأله. رفعت عيني للأستاذ فؤاد. مين الشاهد؟ الأستاذ فؤاد أخد نفس عميق وقال الشخص الوحيد اللي كان موجود يوم توقيع الأوراق، واللي يقدر يقول إذا كنتِ فعلًا وافقتي على التعديلات دي ولا لأ. اسمه إيه؟ فتح دفتر قديم، وقلب صفحاته، وبعدها كتبلي اسم وعنوان. لما قريت الاسم، افتكرت الراجل فورًا. كان المحاسب القديم لشركتي، عم جلال، اللي اختفى فجأة قبل ما القضية تتحول للمحكمة بشهر! كنت فاكرة إنه سافر بره مصر، لأن أحمد هو اللي قاللي كده. لكن الأستاذ فؤاد قال جملة خلتني أحس إن القضية كلها ممكن تاخد اتجاه جديد عم جلال عمره ما سافر بره مصر يا مريم… هو اختفى بعد ما اكتشف حاجة في حسابات الشركة، والحاجة دي ممكن تكون السبب الحقيقي في كل اللي حصل لك. وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال، رن تليفوني برسالة من رقم مجهول. فتحتها، ولقيت صورة حديثة لعم جلال قاعد على كرسي قدام محل صغير. وتحت الصورة مكتوب لو عايزة تعرفي مين اللي ورّطك، متدوريش على عم جلال… لأنه من يومين وهو بيدوّر عليكي! رفعت عيني للأستاذ فؤاد، وورّيته الرسالة. لكنه أول ما شاف الصورة، وقف من مكانه وقال بذهول يا نهار أبيض… ده معناه إن جلال رجع فعلًا! وبعدين بصلي بقلق وأضاف بس لو هو رجع، يبقى لازم نعرف حاجة واحدة قبل ما نوصل له… هل رجع عشان يشهد بالحقيقة، ولا عشان فيه حد هدده وخلاه يغيّر كلامه؟ يتبع… الجزء الخامس المحاسب اللي اختفى أربع سنين! فضلت باصة للصورة اللي وصلتلي، وأنا مش قادرة أستوعب إن عم جلال، الراجل اللي اشتغل معايا سنين، واللي كنت معتبره واحد من أكتر الناس أمانة في الشركة، رجع يظهر فجأة بعد كل السنين دي! بصيت للأستاذ فؤاد وسألته يعني إيه رجع؟ هو كان فين طول المدة دي؟ وليه محدش قدر يوصل له؟ الأستاذ فؤاد قعد على كرسيه، وبدأ يقلب في أوراق الملف القديم. آخر مرة شوفت جلال كانت قبل القبض عليكي بحوالي أسبوعين. جه مكتبي وكان متوتر جدًا، وطلب مني أساعده يحتفظ بنسخ من بعض المستندات. قاللي إنه اكتشف تحويلات مالية مش طبيعية، وإن فيه فواتير اتسجلت بأرقام مختلفة عن الأرقام الموجودة في دفاتر الشركة. حسيت إن قلبي بيدق بسرعة. وكان يعرف مين اللي عمل كده؟ مكانش عنده دليل نهائي وقتها، لكنه كان بيحاول يجمع المستندات اللي تثبت الحقيقة. سألته بلهفة طب ليه اختفى؟ هز راسه وقال قالي إنه خايف على نفسه، وإنه محتاج يبعد فترة لحد ما يقدر يتصرف. وبعدها انقطعت أخباره تمامًا. حطيت إيدي على وشي وقلت بمرارة وأنا كنت جوه السجن، كل يوم بستنى حد يطلع دليل واحد يثبت براءتي… وهو كان عنده معلومات ممكن تساعدني! الأستاذ فؤاد رد بهدوء متحكميش عليه قبل ما تسمعي منه يا مريم. ممكن يكون خاف، وممكن يكون اتعرض لضغط. إحنا لسه منعرفش. كلامه كان منطقي، لكن إحساس الخذلان كان أقوى مني. أنا قضيت أربع سنين من عمري بعيد عن ولادي وأهلي وحياتي، بينما الناس اللي كنت واثقة فيهم كانوا عارفين حاجات أنا معرفهاش. قررت إني لازم أوصل لعم جلال، لكن مش لوحدي. اتصلت بشريف منصور وحكيتله كل اللي عرفته. بعد ما سمعني، قال مريم، لو عم جلال عنده مستندات أصلية أو معلومات عن التلاعب في الحسابات، شهادته ممكن تساعدنا نفهم اللي حصل. لكن لازم نتعامل مع الموضوع بشكل قانوني، ومن غير مواجهة مباشرة ممكن تعرضك للخطر. اتفقنا نبدأ بالعنوان اللي ظهر في الصورة، ونحاول نعرف إذا كان عم جلال لسه موجود هناك. تاني يوم الصبح، وصلت أنا وشريف لمنطقة شعبية في أطراف القاهرة. المحل اللي ظهر في الصورة كان ورشة صغيرة لتصليح الأجهزة الكهربائية، وراجل كبير في السن قاعد قدامها بيصلح مروحة قديمة. قربت منه وسألته لو سمحت يا عم، هو عم جلال المحاسب بييجي هنا؟ الراجل رفع راسه وبصلي باستغراب. جلال مين؟ طلعت صورة عم جلال من موبايلي ووريتهاله. أول ما شاف الصورة، سكت لحظة، وبعدين أشار لعمارة قديمة في آخر الشارع. هو كان بييجي هنا من يومين، وساب عندي ظرف وقاللي لو ست اسمها مريم سألت عليه، أديها الظرف. حسيت إن نفسي اتسحب مني. ظرف؟ طب هو فين دلوقتي؟ الراجل قال إنه مشافوش من يومين، وبعدها دخل الورشة ورجع ومعاه ظرف بني صغير. مسكته بإيدين مرتعشتين. كان مكتوب عليه إلى مريم عبد الرحمن… لو وصلتي للظرف ده، يبقى أخيرًا عرفتي إن اللي حصل لك مكانش مجرد قضية نصب. فتحت الظرف، ولقيت جواه فلاشة صغيرة، وورقة مكتوب عليها عنوان مكتب قديم لشركة توريدات طبية. شريف بص للورقة وقال العنوان ده لازم نتحقق منه قبل ما نروح هناك. ممكن يكون مكان قديم أو حتى محاولة لاستدراجك. لكن قبل ما نتحرك، لقيت ورقة تانية مستخبية في قاع الظرف. كانت صورة تحويل بنكي، وعليها تاريخ سابق للقبض عليّا بأيام. المبلغ كان كبير جدًا، والمستفيد شركة اسمها الأفق للتجارة والتوريدات. لكن الصدمة الحقيقية كانت في خانة الشخص اللي وافق على التحويل. اسمي أنا! بصيت لشريف وقلت بعصبية أهو ده اللي دخلني السجن! التحويلات اللي اتعملت باسمي! شريف أخد الورقة وراجع البيانات بعناية. استني يا مريم. الورقة دي ممكن تكون دليل مهم، لكن لازم نتحقق من مصدرها وصحتها. والأهم إننا نعرف مين اللي نفّذ العملية فعليًا. قلبت الورقة، ولقيت على ضهرها بخط عم جلال راجعي الرقم المرجعي للعملية، وقارنيه بالنسخة الأصلية الموجودة في أرشيف البنك. لو لقيتي الرقم مختلف، هتعرفي إن فيه مستند اتعدل بعد تنفيذ التحويل. حسيت لأول مرة إننا قربنا من حاجة حقيقية. لكن وأنا واقفة، موبايلي رن. المرة دي كانت رانيا. رديت، وقلت ببرود أيوه يا رانيا، خير؟ صوتها كان متوتر بشكل مش طبيعي. مريم، إنتِ بتعملي إيه؟ وإيه اللي خلاكي تروحي لمكتب فؤاد؟ اتجمدت مكاني. أنا مقولتلهاش إني رحت للأستاذ فؤاد! قلت لها وإنتِ عرفتي منين إني رحت له؟ سكتت لحظات، وبعدين قالت مش مهم عرفت منين. المهم إنك تبعدي عن الموضوع ده، لأنك مش فاهمة إنتِ بتلعبي مع مين. ضحكت بسخرية وقلت أنا اللي مش فاهمة؟ أربع سنين وأنا في السجن بسببكم، ولسه بتقوليلي ابعدي؟ صوتها اتغير فجأة. إنتِ فاكرة إن أحمد هو اللي بدأ كل حاجة؟ إنتِ متعرفيش أبوكي كان مخبي إيه عنك! حسيت إن قلبي وقف لحظة. إنتِ بتقولي إيه؟ لكنها قفلت الخط. حاولت أتصل بيها تاني، لكنها رفضت المكالمة. بصيت لشريف، وقلت سمعت اللي قالته؟ رانيا بتقول إن أبويا كان مخبي حاجة عني! شريف رد بحذر ممكن تكون بتحاول تشتتك أو تخوفك. متخليش كلامها يبعدك عن الأدلة اللي في إيدك. لكن جملة رانيا فضلت بتتردد في دماغي. أبويا كان مخبي إيه؟ وليه هي اختارت اللحظة دي بالذات عشان تقول الكلام ده؟ رجعت لبيت الحاجة نوال، وقررت أراجع كل الأوراق اللي كانت عندي. فتحت شنطتي القديمة، وطلعت صورة عقد تأسيس الشركة، وبدأت أقارنها بالنسخة اللي الأستاذ فؤاد ورهالي. بعد شوية، لاحظت إن فيه رقم صغير مكتوب أسفل الصفحة الأخيرة في النسخة الأصلية. رقم ملف، وتاريخ حفظ المستند. لكن الرقم ده مكنش موجود في النسخة اللي اتقدمت في القضية. اتصلت بالأستاذ فؤاد وسألته عنه. قاللي إن الرقم ممكن يساعدنا نوصل لملف قديم محفوظ في أرشيف المكتب، لكنه محتاج يراجعه بنفسه. بعدها بدقائق، بعتلي رسالة قال فيها إنه لقى مستندًا إضافيًا مرتبطًا بالرقم ده، وإنه عايزني أروح مكتبه في أسرع وقت. تاني يوم، رحت له. كان قاعد قدام مكتبه، وأول ما دخلت، مد إيده بورقة مطبوعة. قال مريم، فاكرة لما قلتيلي إنك مضيتي على ورقتين أحمد جابهملك في ملف أزرق؟ هزيت راسي. أيوه. لقيت في الأرشيف نسخة من طلب تسجيل تعديل في عقد الشركة، وعليه توقيع منسوب ليكي. لكن فيه مشكلة… قربت منه بسرعة. مشكلة إيه؟ قال تاريخ الطلب سابق للتاريخ اللي إنتِ فاكرة إنك مضيتي فيه. وده معناه إننا محتاجين نعرف إذا كان التوقيع اتاخد منك في وقت مختلف، أو إن المستند نفسه اتغير بعد كده. سألته يعني ممكن يكونوا استخدموا توقيعي في ورق تاني؟ احتمال وارد، لكن إثباته محتاج فحص ومراجعة رسمية. وبعدين طلع ورقة تانية من الملف. كانت صورة لمستند قديم عليه توقيع أبويا. قال فيه حاجة تانية. أبوكي اعترض رسميًا على تعديل سابق في صلاحيات إدارة الشركة، قبل وفاته بفترة قصيرة. بصيت للتاريخ، وقلبي بدأ يدق بعنف. الاعتراض كان متسجل قبل ما حماتي تتعب، وقبل ما تبدأ التحويلات اللي اتهموني فيها! يعني أبويا كان اكتشف مشكلة في الشركة قبل كل ده. لكن مين اللي كان بيحاول يغيّر صلاحيات الإدارة؟ الأستاذ فؤاد قلب الورقة ناحيتي، وأشار إلى اسم الشخص اللي قدّم طلب التعديل. كان اسم أحمد الشناوي! حسيت إن الصورة بدأت توضح، لكن لسه فيه أجزاء ناقصة. وقبل ما أقدر أسأله عن الخطوة الجاية، دخل سكرتير المكتب وقال إن فيه شخص مصرّ يقابلني. سألته مين؟ قال راجل كبير في السن، بيقول إن اسمه جلال، وإنه لازم يتكلم معاكي حالًا. وقفت من مكاني. عم جلال! بعد أربع سنين من الاختفاء، جه بنفسه! خرجت من المكتب بسرعة، ولقيته واقف في آخر الطرقة، وشه شاحب وعينيه مليانة قلق. أول ما شافني، قال مريم، أنا آسف إني اتأخرت كل السنين دي. كنت لازم أتكلم من زمان، لكن اللي حصل خلاني أخاف على نفسي وعلى عيلتي. قربت منه وقلت أنا مش جاية ألومك يا عم جلال. أنا عايزة أعرف الحقيقة. مين اللي ورطني؟ وإيه اللي حصل في الشركة؟ بص حواليه كأنه خايف حد يسمعنا، وبعدين قال اللي حصل أكبر من أحمد ورانيا لوحدهم. فيه شخص تالت كان بيدير جزء من التحويلات، وكان عارف إن كل الأدلة هتظهر باسمك إنتِ. سألته بلهفة مين الشخص ده؟ مد إيده في جيبه وطلع صورة قديمة. لما شفتها، حسيت إن الدنيا وقفت. الصورة كانت لمحمود السيوفي، الرجل اللي اشترى بيتي. لكن اللي صدمني مش صورته… اللي صدمني إن أبويا كان واقف جنبه في الصورة، وإيد أبويا على كتفه، وخلفهم لافتة مكتوب عليها اسم شركة مختلفة تمامًا عن الشركة اللي كنت أعرفها! رفعت عيني لعم جلال وقلت إيه علاقة محمود السيوفي بأبويا؟! عم جلال أخد نفس طويل، وبصلي بحزن. محمود مش غريب عن عيلتك يا مريم… أبوكي كان شريكه من سنين، وكان فيه اتفاق بينهم محدش يعرف عنه حاجة. وبعدين قرب مني وهمس والأخطر إن الاتفاق ده كان بيضمن إن كل أملاك أبوكي تنتقل ليكي إنتِ… لكن فيه شرط واحد، لو اتنفّذ، كل حاجة ممكن تروح لشخص تاني! يتبع… الجزء السادس الشرط اللي كان ممكن يضيّع ميراثي كله! فضلت باصة لعم جلال، وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته. أبويا كان شريك محمود السيوفي؟ وفيه اتفاق بيضمن إن أملاكه تنتقل ليا؟! طب ليه محدش قالّي؟ وليه أحمد ورانيا كانوا بيحاولوا يمنعوني من الوصول للحقيقة؟ مسكت دراع عم جلال وسألته بلهفة أرجوك يا عم جلال، احكيلي كل حاجة من الأول. إيه الاتفاق ده؟ وإيه الشرط اللي ممكن يضيّع حقي؟ عم جلال بص للأستاذ فؤاد، وبعدها رجع بصلي وقال أبوكي ومحمود السيوفي أسسوا شركة استثمار صغيرة من سنين طويلة. الشركة دي كانت بتشتغل في شراء الأراضي والعقارات، وأبوكي حط فيها جزء كبير من فلوسه. لكن بعد فترة، حصل خلاف بينهم، وكل واحد فيهم بقى عنده مستندات بتثبت حقه. سألته والخلاف ده كان سببه إيه؟ رد بتردد محمود كان عايز يبيع نصيبه في الشركة، لكن أبوكي رفض الصفقة لأن فيه أصول عقارية كانت قيمتها أكبر بكتير من المبلغ المعروض. بعدها اتفقوا إن نصيب أبوكي وبعض الأصول المحددة تنتقل ليكي بعد وفاته، بشرط إن ملكيتها تتراجع قانونيًا قبل إتمام النقل. حسيت إن قلبي بيدق أسرع. يعني بيتي كان من ضمن الأصول دي؟ عم جلال هز راسه. أيوه. البيت اللي إنتِ اشتريتيه كان مرتبط بمعاملة قديمة بين أبوكي والشركة. وإنتِ كنتِ فاكرة إنك اشتريتيه بشكل مستقل، لكن فيه مستندات بتوضح إن جزءًا من ثمنه اتسدد من حساب استثماري كان أبوكي سايبه ليكي. بصيت للأستاذ فؤاد، فهز راسه وقال ده محتاج مراجعة عقد الشراء الأصلي، لكن لو الكلام ده صحيح، فممكن يكون فيه حقوق مالية ليكي لسه محدش سوّاها. سألت عم جلال طب إيه الشرط اللي ممكن يضيّع كل ده؟ نزل عينيه للأرض، وبعدين قال الشرط كان مرتبط بوجود اعتراض رسمي على ملكية الأصول قبل تسجيل نقلها. لو ظهر اعتراض، كان لازم يتراجع الملف بالكامل قبل أي تصرف جديد. فجأة افتكرت عقد بيع بيتي، والتوكيل اللي اتعمل باسمي. قلت بسرعة يعني لو أحمد استخدم التوكيل وباع البيت، كان ممكن يخفي الاعتراض القديم؟ عم جلال رد ده احتمال لازم يتحقق منه. لكن اللي أقدر أقوله إن فيه مستندات اختفت من ملف الشركة، ومستندات تانية ظهرت بتواريخ محتاجة مراجعة. الأستاذ فؤاد فتح الملف وقال يبقى الخطوة الجاية إننا نطلب صورة رسمية من ملف العقار، ونراجع التوكيل والتسجيلات البنكية. لو فيه تلاعب، لازم يظهر في المستندات الرسمية. كنت حاسة إن الحقيقة قربت، لكن لسه فيه حاجة ناقصة. بصيت لعم جلال وسألته إنت اختفيت ليه أربع سنين؟ وليه مظهرتش في المحكمة عشان تشهد؟ ملامحه اتغيرت، وكأنه رجع بذاكرته لليوم اللي اختفى فيه. قال بصوت مكسور قبل القبض عليكي بأيام، اكتشفت تحويلات كبيرة اتعملت من حساب الشركة لشركة الأفق. لما راجعت الفواتير، لقيت أرقامها مش متطابقة، وفيه مستندات عليها توقيعات محتاجة مراجعة. بدأت أجمع نسخ من الأوراق، لكن أحمد عرف إني بدوّر. وعمل إيه؟ استدعاني لمكتبه، وقاللي إنه عارف إني محتفظ بنسخ من الحسابات. وبعدها بيومين، اتصل بيا شخص مجهول وقاللي إن عيلتي ممكن تتضرر لو اتكلمت. خفت، وسافرت عند قرايبي فترة، وبعدها فضلت بعيد عن القاهرة. بصيتله بوجع وقلت وإنت عارف إني اتحبست ظلم، وبرضه سكت؟ عم جلال نزل راسه. عارف إن مفيش كلام هيصلح اللي حصل لك، يا بنتي. أنا غلطت لما خفت وسكت. بس أنا رجعت دلوقتي عشان معايا مستند ممكن يساعدك تثبتي الحقيقة. طلع من شنطته ملف صغير، وفتحه قدامنا. كان جواه كشف حساب قديم، وصورة من فاتورة توريد، وورقة عليها أرقام تحويلات متسلسلة. وأشار إلى سطر معين وقال التحويل ده اتعمل قبل القبض عليكي بثلاث أيام، لكن الموافقة عليه اتسجلت في النظام بعده بيومين. يعني لازم نراجع سجل العمليات الأصلي عشان نعرف مين نفّذه فعلًا، ومين عدّل البيانات بعد كده. شريف، اللي كان انضم لينا في المكتب، بدأ يصوّر المستندات بإذن عم جلال، وقال دي خيوط مهمة، لكن لازم نتحقق منها عن طريق البنك والجهات المختصة. مفيش حاجة هتثبت براءة مريم لوحدها، لكن جمع الأدلة بالشكل الصحيح ممكن يغيّر مسار القضية. لأول مرة، حسيت إن فيه أمل حقيقي. لكن الأمل ده مكملش طويل. في نفس الليلة، وأنا راجعة بيت الحاجة نوال، لقيت أحمد واقف قدام البوابة. كان لابس بدلة غالية، وساعته اللامعة في إيده، ووشه هادي بشكل استفزني. أول ما شافني، ابتسم وقال إزيك يا مريم؟ واضح إنك بدأتي تتحركي كتير اليومين دول. وقفت مكاني، وقلت ببرود إنت جاي هنا ليه؟ بص ناحية البيت وقال جاي أتكلم معاكي. إنتِ مراتي، ومهما حصل بينا، فيه أمور لازم نحلها بالعقل. ضحكت بسخرية. فاكر إنك تقدر ترجع تقوللي يا مراتي بعد ما ضيعت أربع سنين من عمري؟ ملامحه اتغيرت، لكنه حاول يحافظ على هدوئه. أنا عارف إنك غضبانة، وعارف إنك مصدقة كلام ناس كتير. لكن صدقيني، أنا كنت بحاول أحافظ على الشركة وعلى مصالح العيلة. وعلى حساب حريتي؟ سكت لحظة، وبعدين قال القضية كان فيها مستندات كتير، والمحكمة هي اللي حكمت. أنا معملتش حاجة غير إني قدمت اللي عندي. بصيتله في عينيه وقلت طيب، لو إنت واثق من نفسك، ليه اتصلت بالأستاذ فؤاد عشان تمنعه من إنه يوريني المستندات؟ لأول مرة، ابتسامته اختفت تمامًا. قال بعصبية إنتِ بتتجسسي عليّا؟ أنا بدوّر على حقي، وده مش من حقك تمنعني منه. قرب خطوة، وقال بصوت منخفض اسمعيني كويس يا مريم. فيه حاجات لو اتفتحت، مش إنتِ بس اللي هتتأذي. فيه ناس كتير ممكن تخسر كل حاجة، وإنتِ مش هتقدري تتحملي اللي هيحصل. بصيتله بثبات وقلت أنا خسرت كل حاجة بالفعل. مفيش حاجة تقدر تخوفني بيها أكتر من اللي عملته فيا. سكت، وبعدها مد إيده وطلع ظرف أبيض. خدي ده. فيه مبلغ يكفيكي تبدأي حياة جديدة بعيد عن المشاكل دي. وأنا مستعد أساعدك تلاقي شغل وتعيشي في مكان كويس. بصيت للظرف، وافتكرت الظرف اللي رانيا رمته قدام رجلي قبل كده. نفس الأسلوب… فلوس مقابل إني أسكت. رجعت إيدي لورا وقلت خد فلوسك يا أحمد. المرة دي مش هتشتري سكوتي. وشه احمر من الغضب، لكنه أخد الظرف وحطه في جيبه. قبل ما يمشي، بصلي وقال إنتِ لسه مش فاهمة إن فيه حد تاني أكبر مننا كلنا داخل في الموضوع ده. وبعدين مشي من غير ما يضيف كلمة واحدة. فضلت واقفة مكاني، وأنا بفكر في كلامه. مين الشخص اللي أحمد خايف منه؟ ومين اللي كان مستفيد من كل التحويلات دي؟ دخلت البيت، ولقيت الحاجة نوال مستنياني. أول ما شافت وشي، فهمت إن فيه حاجة حصلت. حكيتلها كل اللي قاله أحمد، ولما وصلت لجملته الأخيرة، لاحظت إنها سكتت فجأة. سألتها مالك يا حاجة؟ قامت ببطء، ودخلت أوضتها، وبعد دقائق رجعت ومعاها صندوق خشب صغير. فتحته وطلعت منه صورة قديمة، كانت محفوظة بين ورقتين. حطتها قدامي وقالت أنا مكنتش عايزة أقولك حاجة من غير ما أتأكد، لكن بعد اللي حكيتيه، أعتقد إنك لازم تشوفي الصورة دي. مسكت الصورة. كان فيها أبويا، ومحمود السيوفي، وأحمد الشناوي، وثلاثة رجال تانيين واقفين قدام مبنى قديم. لكن اللي شد انتباهي كان الشخص الواقف في أقصى اليمين. أنا أعرفه كويس. ده كان المستشار اللي ترأس الدائرة اللي حكمت عليّا بالسجن! حسيت إن إيدي بردت، ورفعت عيني للحاجة نوال. إزاي الصورة دي عندك؟ وإيه علاقة القاضي بأبويا؟ الحاجة نوال ردت بهدوء الصورة دي كانت ضمن أوراق جوزي الأول، وكان شغال محاسب في شركة استثمار قديمة. بعد وفاته، احتفظت ببعض أوراقه، ومكنتش أعرف إن الصورة دي ليها علاقة بقضيتك. قربت الصورة من عيني، ولاحظت إن فيه تاريخ مكتوب على ضهرها. التاريخ كان قبل وفاة أبويا بشهر واحد! وتحته جملة قصيرة بخط جوز الحاجة نوال اجتماع تسوية الملكية… الملف الأصلي لم يُسلَّم. في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع ممكن يكون أكبر من مجرد تلاعب في حسابات شركة. لكن وجود القاضي في الصورة مش دليل على أي مخالفة منه، ولازم نعرف ظروف الاجتماع قبل ما نستنتج أي حاجة. خدت صورة للصورة القديمة، وبعتّها لشريف. بعد دقائق، اتصل بيا وقال مريم، الصورة دي ممكن تساعدنا نحدد الأشخاص اللي كانوا موجودين في الاجتماع، لكن محتاجين نعرف مين صاحب الملاحظة المكتوبة على ضهرها، ونوصل لمحضر الاجتماع لو موجود. وقبل ما أقفل، وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول. فتحتها، ولقيت صورة لورقة رسمية قديمة، وفي أعلاها عنوان محضر اجتماع تسوية ملكية شركة النيل. وفي أسفل الورقة، كان فيه توقيع أبويا، وتوقيع محمود السيوفي، وتوقيع شخص ثالث. كبرت الصورة بإيدي، وحاولت أقرأ الاسم. ولما ظهر قدامي بوضوح، حسيت إن قلبي هيقف. الاسم كان اسم رانيا عبد الرحمن… أختي! لكن تحت توقيعها، كان فيه سطر مكتوب بخط صغير تلتزم الأطراف بعدم الإفصاح ن المستند المرفق إلا بعد تحقق الشرط المتفق عليه. يعني إيه المستند المرفق؟ وإيه الشرط اللي كانوا مخبيينه عني كل السنين دي؟ وفجأة، وصلتني رسالة تانية من نفس الرقم، فيها جملة واحدة اسألي رانيا ليه أبوكي غيّر وصيته قبل وفاته بأسبوع… واسأليها مين الشخص اللي كان المفروض يرث كل حاجة بدلًا منك! يتبع… الجزء السابع وصية أبويا اللي أختي خبّتها عني! فضلت باصة للرسالة، وبعيد قرايتها مرة واتنين. اسألي رانيا ليه أبوكي غيّر وصيته قبل وفاته بأسبوع… واسأليها مين الشخص اللي كان المفروض يرث كل حاجة بدلًا منك! وصية أبويا اتغيّرت قبل وفاته بأسبوع؟ يعني فيه وصية تانية غير اللي اتقالنا عليها بعد موته؟ أنا كنت فاكرة إن أبويا ساب البيت والشركة وكل اللي يملكه ليا، وإن رانيا ملهاش أي حق في ممتلكاته غير نصيبها الطبيعي من الميراث. لكن لو فيه وصية اتغيّرت فعلًا، فمين المستفيد منها؟ وليه أختي كانت موجودة في اجتماع تسوية الملكية؟ اتصلت بشريف فورًا، وحكيتله عن الرسالة والصورة. قاللي مريم، لازم نتحقق من وجود وصية فعلًا، ونشوف إذا كانت اتوثقت رسميًا ولا لأ. الرسالة ممكن تكون من شخص عايز يساعدك، وممكن تكون محاولة لتوجيهك ناحية معينة. سألته يعني أواجه رانيا؟ رد بحزم مش قبل ما نعرف معانا إيه من أدلة. لو واجهتيها دلوقتي، ممكن تخفي أي مستندات لسه عندها. قررت أسمع كلامه، لكني كنت محتاجة أعرف الحقيقة بنفسي. تاني يوم، اتصلت برانيا وقلت لها إني عايزة أقابلها. في البداية رفضت، وقالت إنها مش فاضية للكلام معايا. لكن لما قلتلها إن معايا صورة من محضر اجتماع تسوية الملكية، سكتت فجأة. وبعد لحظات قالت هقابلك. بكرة الساعة خمسة، في كافيه قريب من بيتنا القديم. قفلت المكالمة وأنا متأكدة إن الاسم اللي ظهر في المحضر خوّفها. في اليوم التالي، وصلت قبل الموعد بعشر دقايق. رانيا دخلت الكافيه وهي لابسة نضارة شمس، وبصت حواليها قبل ما تقعد قدامي. أول ما شالت النضارة، لاحظت إن عينيها مرهقة. قلت من غير مقدمات ليه خبّيتي عني إنك حضرتي اجتماع مع بابا ومحمود السيوفي؟ وشها اتغير، لكنها حاولت تتماسك. إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟ ده مش مهم. المهم إنتِ كنتِ بتعملي إيه هناك؟ رانيا حطت شنطتها على الكرسي، وقالت بعصبية أنا كنت بحاول أحافظ على حقوق العيلة، لكن إنتِ عمرك ما كنتِ بتسمعي لحد. كنتِ دايمًا فاكرة إنك أذكى واحدة، وإن كل حاجة لازم تمشي زي ما إنتِ عايزة! بصيتلها بذهول. أنا بتكلم عن أبويا والوصية، مش عن مين أذكى من مين! سكتت لحظة، وبعدين قالت أبوكي كان عنده مشاكل مالية، وكان خايف إن الشركة تخسر كل حاجة. عشان كده قرر يغيّر بعض الترتيبات. قلبي بدأ يدق بسرعة. ترتيبات إيه؟ رانيا بصتلي مباشرة وقالت قبل وفاته بأسبوع، أبوكي طلب مني أساعده في تجهيز مستندات جديدة تخص ممتلكاته. وكان فيه اتفاق إن جزءًا من الأصول يتنقل لشخص تاني لو حصلت ظروف معينة. مين الشخص ده؟ اترددت، وبعدين قالت محمود السيوفي. حسيت إني مش قادرة أتنفس. يعني أبويا كان ناوي يسيب ممتلكاته لمحمود بدلًا مني؟ رانيا هزت راسها بسرعة. مش بالضبط. الموضوع كان مرتبط بتسوية قديمة بينهم. أبوكي كان عايز يضمن إن الشركة تفضل شغالة، وإن الديون القديمة تتسدد، وفي المقابل كان فيه أصول هترجع ليكي بعد ما التسوية تخلص. سألتها طب ليه محدش قالّي الكلام ده؟ رانيا سكتت، وفضلت تحرك المعلقة في فنجان القهوة من غير ما تشرب. قلت بصوت أعلى رانيا، أنا دخلت السجن أربع سنين! كان عندك فرصة تقولي الحقيقة في أي وقت. ليه سكتّي؟ رفعت عينيها، وكانت نظرتها مختلفة المرة دي. لأن أحمد قاللي إن لو المستندات دي ظهرت، الشركة كلها هتنهار، وإنتِ هتخسري كل حاجة على أي حال. قاللي إنك لو خرجتي من القضية، هتقدري تبدئي من جديد، وإن السكوت هيكون أفضل للجميع. ضحكت بمرارة. أفضل لمين يا رانيا؟ ليا أنا؟ ولا ليكي إنتِ وأحمد؟ ما ردتش. طلعت من شنطتي صورة محضر الاجتماع، وحطيتها قدامها. توقيعك موجود هنا. عايزة أعرف إيه اللي حصل بعد الاجتماع ده. رانيا بصت للصورة، وشفت إيديها بتترعش. وبعدين قالت جملة ما كنتش متوقعة أسمعها أبدًا بعد الاجتماع، أبوكي اكتشف إن فيه ورقة اتضافت للملف من غير علمه. اتجمدت مكاني. ورقة إيه؟ ورقة بتغيّر المستفيد من جزء من ممتلكاته، وبتدي محمود السيوفي حق التصرف في بعض الأصول لو حصل خلاف على تسوية الملكية. ومين اللي أضافها؟ رانيا سكتت. فضلت أبصلها لحد ما أخيرًا قالت أحمد كان مسؤول عن تجهيز الملف النهائي. حسيت إن كل حاجة بدأت تركب على بعض. لكن لسه فيه سؤال واحد. وإنتِ كنتِ عارفة؟ نزلت عينيها وقالت عرفت بعدين… لكن لما حاولت أتكلم، أحمد وراني مستندات قال إنها بتثبت إني أنا كمان وقّعت على التعديل. بصيتلها بغضب. يعني بدل ما تعترفي بالحقيقة، سيبتيني أتحبس؟ دموعها نزلت، لكنها مردتش. قمت من مكاني وقلت أنا مش جاية أطلب منك تعتذري. أنا جاية أعرف الحقيقة، ولو كنتِ فعلًا عايزة تصلحي أي حاجة، يبقى لازم تقولي كل اللي تعرفيه لشريف. رانيا مسحت دموعها، وبعدين فتحت شنطتها وطلعت مفتاحًا صغيرًا. حطته قدامي وقالت ده مفتاح خزنة أبوكي القديمة. بصيتلها بدهشة. إنتِ قلتيلي إن المكتب اتباع، وإن الخزنة اختفت! ردت بصوت منخفض الخزنة مخرجتش من المكتب. أحمد نقلها لمخزن تابع للشركة، وأنا عرفت مكانها من فترة. لكني خفت أروح هناك. مسكت المفتاح، وسألتها وإيه اللي جوه الخزنة؟ رانيا بصتلي وقالت نسخة من الوصية القديمة، ونسخة من المستند اللي اتضاف للملف من غير علم أبوكي… لكن فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما تروحي. إيه هي؟ قربت مني وهمست الوصية القديمة مكتوب فيها إنك إنتِ صاحبة الحق في البيت والشركة، لكن الوصية الجديدة فيها اسم شخص تاني… والشخص ده مش محمود السيوفي. حسيت بصدمة جديدة. مين؟ رانيا هزت راسها وقالت مش هقدر أقولك أكتر من كده، لأن لازم تشوفي الورق بنفسك. وبعدين قامت من مكانها، وقبل ما تمشي، بصتلي وقالت مريم، مهما حصل، متروحيش المخزن لوحدك. في نفس الليلة، قابلت شريف وحكيتله كل حاجة. قررنا نتحقق من مكان المخزن وملكيته، ونراجع الأوراق بطريقة قانونية قبل ما نحاول نوصل للخزنة. وبعد مراجعة بيانات الشركة، قدرنا نحدد عنوان المخزن، وكان موجودًا في منطقة صناعية قديمة على أطراف القاهرة. تاني يوم، وصلنا هناك بعد ما اتأكدنا من الإجراءات اللي تسمح لنا بطلب فحص المستندات المرتبطة بالقضية. المخزن كان مقفول بقفل حديد كبير، وعلى الباب لافتة قديمة باسم شركة النيل. شريف راجع الأوراق اللي معاه، وبعدها اتواصل مع المسؤول عن المكان. وبعد وقت طويل من الانتظار، اتفتح الباب. دخلنا وسط رفوف مليانة كراتين وملفات قديمة، لحد ما وصلنا لغرفة صغيرة في آخر المخزن. كانت الخزنة موجودة فعلًا! خزنة حديد سوداء، عليها طبقة تراب سميكة، وكأن محدش قرب منها من سنين. طلعت المفتاح اللي رانيا ادتهولي، وحطيته في القفل. لفّ المفتاح بصعوبة، لكن الخزنة اتفتحت أخيرًا. جواها كان فيه ملف بني، وظرف أبيض، وصندوق صغير. فتحت الملف، ولقيت نسخًا من عقود قديمة، وكشوف حسابات، وورقة عليها توقيع أبويا. أما الظرف الأبيض، فكان مكتوب عليه إلى ابنتي مريم… لا يُفتح إلا إذا حاول أحد الاستيلاء على ممتلكاتها. فتحت الظرف، وبدأت أقرا الرسالة. بنتي مريم، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى خوفي من ضياع حقك كان في محله. أنا حاولت أحميكي، لكن فيه مستندات اتغيّرت من غير علمي، وفيه ناس استخدمت ثقتي فيها بطريقة ما كنتش أتخيلها. لو حصل أي خلاف على ملكية البيت أو الشركة، لازم ترجعي للنسخة الأصلية من عقد تأسيس الشركة، وتراجعي محضر الاجتماع المؤرخ قبل وفاتي بأسبوع. الحقيقة مش في الورق اللي اتقدم للمحكمة بس، الحقيقة كمان في المستندات اللي اختفت قبل التحقيق. وقعت عيني على التوقيع في آخر الرسالة. كان توقيع أبويا فعلًا. لكن الصدمة الحقيقية كانت في الورقة اللي تحتها. كانت نسخة من وصية جديدة، موثقة قبل وفاته بأسبوع واحد. فتحتها، وبدأت أقرا أسماء الورثة والأصول المذكورة فيها. وفجأة، وقفت عند بند معين. البند ده كان بيقول إن جزءًا من ممتلكات أبويا هينتقل لشخص محدد، بشرط إثبات واقعة معينة قبل مرور خمس سنوات على وفاته. رفعت عيني لشريف وقلت أنا مش فاهمة… إيه الواقعة اللي لازم تثبت؟ شريف أخد الورقة وبدأ يراجعها، وبعدها قال لازم محامي متخصص يراجع الوصية كاملة ويتأكد من صحتها ونطاقها. لكن واضح إن فيه شرط مرتبط بحقوق الملكية، ومينفعش نستنتج نتيجته من بند واحد. قلبت الصفحة الأخيرة، ولقيت اسم الشخص المستفيد مكتوبًا بوضوح. فضلت باصة للاسم، وأنا مش قادرة أصدق. المستفيد من الوصية الجديدة كان عم جلال نفسه! المحاسب اللي اختفى أربع سنين، واللي رجع فجأة عشان يساعدني، كان اسمه موجودًا في وصية أبويا! بصيت لشريف وقلت ليه أبويا يسيب جزء من ممتلكاته لعم جلال؟ وإيه الواقعة اللي لازم يثبتها؟ قبل ما يرد، سمعنا صوت حركة عند باب المخزن. شريف خرج يشوف مين، وبعد ثواني رجع وملامحه متغيرة. قال بصوت منخفض مريم، لازم نوقف هنا. فيه شخص وصل للمخزن وبيسأل عن الخزنة بالاسم. مين؟ بصلي وقال أحمد الشناوي… ومعاه محامي، وبيقول إن عنده مستند رسمي يثبت إن الخزنة دي ملكه! يتبع… الجزء الأخير الحقيقة اللي رجّعت لمريم حقها! وقفت مكاني وأنا مش مصدقة إن أحمد وصل للمخزن في نفس اللحظة اللي فتحنا فيها خزنة أبويا. بصيت لشريف وقلت هو عرف إزاي إننا هنا؟! رد بهدوء مش مهم عرف إزاي دلوقتي. المهم إننا نحافظ على المستندات، ونتأكد إن كل خطوة هنعملها قانونية. خرجنا من الغرفة، ولقينا أحمد واقف عند المدخل، جنبه محامي شايل ملف كبير. أول ما شافني، ابتسم ابتسامة مستفزة وقال كنت عارف إنك مش هتقدري تبعدي عن المشاكل يا مريم! بصيتله بثبات وقلت أنا مش بدوّر على المشاكل. أنا بدوّر على حقي اللي إنت أخدته مني. رفع الملف اللي في إيده وقال حقيقتك كلها موجودة في الورق ده. الخزنة دي تخص الشركة، وإنتِ مالكيش حق تفتحيها. شريف تدخل فورًا، وطلب من المحامي يوضح المستند اللي بيستند إليه، وأكد إن أي نزاع على ملكية الخزنة أو محتوياتها لازم يتراجع من خلال الإجراءات القانونية. أحمد حاول يضغط علينا، لكن لما عرف إن فيه نسخ من المستندات اتوثقت، وإن محتويات الخزنة هتتراجع رسميًا، اتغيرت ملامحه. ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه. لأنه كان فاكر إن الحقيقة ماتت مع أبويا، وإن مفيش حد يقدر يثبت اللي حصل. لكن كان لسه فيه مستند واحد ناقص. الورقة اللي اتضافت لملف التسوية من غير علم أبويا. والشخص الوحيد اللي كان يقدر يفسر تفاصيلها هو عم جلال. بعد مراجعة المستندات، اتضح إن فيه تحويلات مالية اتنفذت من حساب الشركة إلى شركة الأفق، وإن بعض الفواتير المرتبطة بيها كانت بياناتها مختلفة عن السجلات الأصلية. كمان ظهرت اختلافات بين نسخ من عقود الشركة، وتوكيل استُخدم في التصرف في البيت. لكن إثبات مين المسؤول عن كل تغيير كان محتاج فحص رسمي ومراجعة من الجهات المختصة. عم جلال وافق يقدم شهادته، ويسلم المستندات اللي احتفظ بيها، ويشرح بالتفصيل إزاي اكتشف الاختلافات في الحسابات. ولما اتسأل عن سبب اختفائه، اعترف إنه خاف من التهديدات، وإنه غلط لما سكت عن المعلومات اللي كانت ممكن تساعد مريم. أما رانيا، فبعد ما واجهها المحققون بالمستندات، قررت تتكلم. اعترفت إنها وافقت على بعض التعديلات الإدارية من غير ما تراجعها بالشكل الكافي، وإنها قدمت مستندات في القضية كانت عارفة إنها مش بتوضح الصورة كاملة. لكن المفاجأة الأكبر ظهرت لما اتفحصت النسخة الأصلية من محضر اجتماع تسوية الملكية. التوقيعات والتواريخ كشفت إن فيه مستندًا إضافيًا اتقدم ضمن الملف بعد الاجتماع، وإن بعض البيانات الواردة فيه محتاجة تحقيقًا مستقلًا. وبعد شهور من الفحص والتحقيقات، اتضح إن أحمد استغل صلاحياته في الشركة، وشارك في تمرير معاملات مالية غير سليمة، واستخدم مستندات لتبرير التصرف في أموال وممتلكات لم يكن من حقه التصرف فيها بالطريقة دي. أما محمود السيوفي، فاضطر يقدم المستندات اللي عنده، واتضح إن شراء البيت ارتبط بتسوية مالية أوسع، وإن حقوق الملكية لم تكن محسومة بالشكل اللي اتقدم في العقد الأول. وبكده، بقى فيه أساس قانوني لإعادة النظر في القضية القديمة، ومراجعة الأدلة اللي اتبنت عليها إدانة مريم. بعد فترة طويلة من الإجراءات، صدر قرار بإعادة النظر في قضية مريم، وبعد مراجعة الأدلة الجديدة وشهادات الشهود، اتلغى الحكم السابق، وثبتت براءتها من التهم اللي اتسجنت بسببها. لما المحامي بلغها بالقرار، فضلت ساكتة للحظات. أربع سنين! أربع سنين من عمرها راحت، وهي بتقول إنها بريئة ومحدش مصدقها. نزلت دموعها وهي بتهمس أخيرًا… أخيرًا اسمي رجع نضيف! الحاجة نوال كانت واقفة جنبها، مسكت إيديها وقالت ربنا عمره ما بينسى المظلوم يا بنتي، حتى لو الناس كلها نسيت. لكن مريم مكنتش عايزة تكتفي ببراءتها. كانت عايزة تستعيد حياتها، وتعرف مصير بيتها وشركتها. وبمساعدة محاميها، بدأت إجراءات استرداد حقوقها المالية ومراجعة ملكية البيت، واتخذت الخطوات القانونية اللازمة للمطالبة بالتعويض عن الأضرار اللي لحقت بيها. أما أحمد، فواجه المحاسبة القانونية عن الأفعال اللي ثبتت مسؤوليته عنها. ورانيا، لما طلبت تقابل أختها، مريم وافقت تسمعها للمرة الأخيرة. قعدوا في نفس الكافيه اللي اتقابلوا فيه قبل كده. رانيا كانت باصة للأرض، وقالت بصوت مكسور أنا عارفة إن كلمة آسفة مش كفاية. أنا خفت على نفسي، وصدقت كلام أحمد، وسكت لما كان لازم أتكلم. ومهما عملت، مش هقدر أرجعلك السنين اللي ضاعت منك. مريم فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت أنا مش هقولك إني سامحتك لمجرد إنك اعتذرتي. اللي حصل غيّرني، والثقة اللي اتكسرت مش بترجع بكلمتين. رانيا دموعها نزلت. مريم كملت لكن أنا كمان مش عايزة أفضل عايشة طول عمري أسيرة للي عملتوه فيا. هسيب القانون ياخد مجراه، وهبدأ حياتي من جديد. أما علاقتنا، فدي محتاجة وقت طويل، ويمكن متبقاش زي الأول أبدًا. رانيا هزت راسها، ومشيت من غير ما تطلب منها وعدًا أو تسامحًا. ومريم، لأول مرة، محستش إنها محتاجة تجري وراها عشان تفهمها حجم الوجع اللي سببته. بعد شهور، قدرت مريم تستعيد جزءًا كبيرًا من حقوقها، وبدأت إجراءات استرجاع شركتها وممتلكاتها. لكنها أخدت قرارًا مختلفًا عن اللي كانت متخيلاه. بدل ما ترجع تبني الشركة بنفس الطريقة القديمة، قررت تبدأ مشروعًا جديدًا لتوريد المستلزمات الطبية، وتوظف فيه ناس تستحق فرصة حقيقية، خصوصًا اللي مروا بظروف صعبة واتحرموا من فرص العمل. والحاجة نوال فضلت جزءًا أساسيًا من حياتها. في يوم، مريم كانت قاعدة معاها في الجنينة، بتشرب الشاي، لما الحاجة نوال سألتها قوليلي يا مريم، لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي خرجتي فيه من السجن، كنتِ هتعملي إيه بشكل مختلف؟ مريم ابتسمت وقالت كنت هتعلم إني أثق، لكن من غير ما أسيب ثقتي تعميني. كنت هراجع كل ورقة قبل ما أمضيها، ومكنتش هسمح لحد يقرر عني إيه الصح وإيه الغلط. الحاجة نوال هزت راسها بإعجاب. مريم بصت للبيت، وافتكرت اليوم اللي وقفت فيه في الجنينة من غير فلوس ولا مكان تروحه، وأختها بتهددها وترمي الظرف عند رجليها. وقتها كانت فاكرة إن حياتها انتهت. لكنها اكتشفت إن خسارة كل حاجة مش معناها إن الإنسان خسر نفسه. وإن الحقيقة، حتى لو اتأخرت، ممكن تفتح باب كان صاحبه فاكر إنه اتقفل للأبد. وفي يوم افتتاح مشروعها الجديد، علقت مريم على الحيطة جملة واحدة، كتبتها بإيديها مش كل اللي بيخسر بيكون ضعيف، ومش كل اللي بيكسب بيكون على حق… أحيانًا أكبر انتصار إنك تسترد نفسك بعد ما الناس تحاول تقنعك إنك تستحق الظلم. وبصت للحاجة نوال وقالت بابتسامة صافية لو مكنتش شغلتيني يومها، مكنتش عارفة كنت هروح فين. الحاجة نوال ردت أنا فتحتلك باب يا بنتي، لكن إنتِ اللي كان عندك الشجاعة تدخلي منه وتكملي الطريق. وهنا انتهت حكاية مريم، اللي خرجت من السجن فاكرة إنها خسرت كل حاجة، لكنها اكتشفت إن أكبر كنز ممكن الإنسان يسترده مش البيت ولا الفلوس ولا الشركة… إنما اسمه وكرامته وحريته.