بعد جوزانا
ببطء، فوجدوا أنفسهم أمام باب ضخم مصقول، وفي انتظارهم بواب بزي أنيق انحنى باحترام
أهلاً بكم.. تفضّلوا، المدام في انتظاركم.
دخلوا واحدًا وراء واحد، وكأنهم يدخلون قصرًا وليس شقة. الصالة كانت فسيحة، بأرضية من الرخام الإيطالي اللامع، ونوافذ تمتد من الأرض حتى السقف تطل مباشرة على النيل وأضواء المدينة الساحرة. الأثاث راقٍ وبسيط في آن واحد، لا تكدس ولا مبالغة، فقط ذوق رفيع يتحدث عن صاحبته بكل هدوء.
كنت واقفة عند النافذة، أرتدي ثوبًا بسيطًا أنيقًا، ولما التفتُّ إليهم، وجدتهم واقفين كالغرباء.. خجولين، مترددين، نظراتهم تتجول في كل ركن دون أن يجرؤ أحد أن يجلس. هشام كان واقفًا في الخلف، وجهه شاحبًا، وعيناه لا تصدق ما تراه. أما إنعام فكانت فمها مفتوحًا بدهشة لا تُخفى، ويدها تتحسس الحائط كأنها تتأكد إن كان حقيقيًا أم لا.
قلت بصوت هادئ ومددت يدي للإشارة إلى
الكنب الفاخر
تفضلوا بالجلوس. لم أتوقع زيارتكم المفاجئة، لكن الباب دائمًا مفتوح لمن يحسن التعامل.
جلسوا بحرج شديد، وبقوا ينظرون لبعضهم البعض، ثم إليّ. لم أبدأ بالكلام.. تركتهم يأخذوا وقتهم ليدركوا أين هم، ومع من يتعاملون.
الجزء الثالث الحقيقة التي هزّت كرسيهم
بعد دقائق صمت طويلة، تجرأت ابنة خالتها وتكلمت بصوت خاڤت
إذًا.. البيت ده بتاعكِ أنتِ؟ من زمان؟
ابتسمت بهدوء وقلت
أبي رحمه الله تركه لي قبل ۏفاته بخمس سنوات. لم أخفِ الأمر.. سألني هشام قبل الزواج قلت له إن عندي مسكني الخاص، لكنه قال لي بيت العيلة بيتك، مش محتاجين لشقة تانية. وقلت له طيب، بيتي مؤجر حاليًا، ولو احتجناه في يوم فهو جاهز. ولم أتخيل أن العيش معكم سيصبح بثمن وقدره ألف وخمسمائة دولار شهريًا إيجارًا!
نظرت لإنعام مباشرة وهي تتململ في جلستها بحرج بالغ
يا حاجة إنعام، أنا لم أتردد في دفع
أي تكاليف مشتركة طوال فترة إقامتي معكم. لكن أن تُكتب لي عقد إيجار وتُعامل كزائرة تدفع ثمن كل ليلة تنامها في بيت زوجي.. فهذا شيء لم أتوقعه أبدًا.
هشام حاول أن يبرر بصوت متعثر
ده.. ده مجرد كلام عادي يا هالة، أمي كانت تقصد.. يعني المساعدة في المصاريف مش إيجار بالمعنى الحرفي!
هزأت رأسي ببطء
كلمة إيجار مكتوبة في العقد يا هشام، ومكتوب اسمي كمستأجرة. والمبلغ مُحدد والتاريخ مُحدد. لم أجادلك حينها.. قلت لك بكل بساطة سأعود لبيتي. وهنا أنا في بيتي، بملكي، بكل حقوقي، ولا أحد يطلب مني شيئًا ولا أحد يقرر لي أين أجلس وكم أدفع.
كان الصمت جوابًا منها جميعًا. لم يعد أحد يملك كلمة يقولها.