نقلت من محافظة
سكت ثواني وهو بيفرك لحيته، وبعدين بص لها بعطف وقال بصوت دافئ:ـ قومي يا أم هاني.. قومي يا بنتي، اعدلي وقفتك. ربنا ما يرمي عبده أبداً. تعالي معايا.. في غرفة صغيرة منفصلة في طرف المزرعة بعيدة عن الشغل، تقدري تقعدي فيها إنتي وابنك، وتشتغلي وتاكلي عيش حلال وتستري نفسك!
فتحت أم هاني عينيها بذهول وصدمة فرحة مش مصدقة نفسها، وفضلت تترمي على الأرض تدعي له بدموع الامتنان وهي حاسة إن ربنا بعت لها طوق نجاة في أواخر لحظات اليأس. مرّت الأيام، وأم هاني استقرت في الغرفة المنفصلة جوه المزرعة، وكانت بتشتغل بأمانة وإخلاص تفرش وتروح وتخدم بعرقها عشان تربي ابنها بالحلال.
صاحب المزرعة، وكان راجل كبير في السن وطيب القلب، كان عايش لوحده بعد ما ربنا كتب وقدره وتوفي ابنه الوحيد في حادثة زمان، وساب جوه قلبه فراغ كبير ووجع ما بينتهيش. كان كل ما يشوف أم هاني وهي بتكافح عشان ابنها الصغير، وبتفكر بيومه وبكرة، قلبه بيحس بيها وبتفاصيل وجعها اللي شبه وجعه على ابنه.
وفي يوم، وقف قدامها وبص لها باحترام وتقدير كبير وقال لها بنبرة هادية:ـ يا أم هاني.. أنا راجل وحداني، وماليش في الدنيا حد، وابني اللي مات ساب مكانه خاوي.. وأنا شايفك إزاي محافظة على شرفك وكرامتك وبتحاربي الدنيا عشان ابنك.. ما تقعديش لوحدك، ولا تشيلي هم بكرة تاني.
. اعتبريني أهل وسند، وأنا جاهز أتجوزك على سنة الله ورسوله، وأبقى أب للولد ده وأربيه في حضني وكأنه ابني اللي راح، وتعيشي في أمان وستر من غير ما تحتاجي لحد. الكلام نزل على قلب أم هاني زي الهدية اللي ربنا بعتها من السما بعد طول عذاب وظلم..
لقت نفسها قدام فرصة جديدة لحياة كريمة وستر وأمان ليها ولابنها الغلبان، فدمعت عينيها من الفرحة والرضا، ووافقت على قفل صفحة الآلام وبداية حياة جديدة ترجع لها كرامتها وضحكة ابنها. وافقت أم هاني على الزواج من صاحب المزرعة، ورغم فرق السن الكبير بينهما، إلا أنه عوضها عن كل القسوة والظلم اللي شافته في حياتها الأولى مع همام.
لم تحسسها كبر سنّه بأي نقص، بل كان نعم الأب والسند؛ احتضن ابنها الصغير وأحاطه بحنان وحب صادق وكأنه قطعة من قلبه وعوضه عن فقدان الأب الحقيقي. لم يبخل عليه بشيء، وكان حريصاً على تعليمه بأفضل الوسائل والسبل حتى أدخله أحسن المدارس وتابع مستقبله خطوة بخطوة، ليعوضه عن كل لحظة خوف وقهر عاشها في صغره، وتنقلب حياتهم تماماً من الضياع والفقر إلى الأمان والعز والاحترام.